خطاب المرجعية الدينية في محرم :تحذير وتذكير وتبصير

خطاب المرجعية الدينية في محرم :تحذير وتذكير وتبصير
يبرز النص كيف تجدد عاشوراء في الضمير الإسلامي رمزية ثورة الإمام الحسين كدستور أخلاقي لمواجهة الظلم. يسلط الضوء على مواقف المرجعية الدينية العليا في العراق—خاصة الشيخ الكربلائي وبيان السيد السيستاني—التي ربطت الحرب بين إسرائيل وإيران بالقيم الكربلائية والجهاد الحق، ووصفت العدوان بأنه اعتداء ظالم ينتهك المعايير الدينية والدولية...

مع دخول شهر محرم الحرام، تتجدد في ضمير الأمة الإسلامية رمزية ثورة الإمام الحسين عليه السلام كصرخة دائمة في وجه الظلم والطغيان، وكدستور أخلاقي للمواجهة مع الباطل والانحراف، مهما تغيّرت الأسماء والوجوه. وفي هذا الإطار، شكّل خطاب المرجعية الدينية العليا، سواء في خطبة الجمعة على لسان الشيخ عبد المهدي الكربلائي أو في البيان الصادر من مكتب سماحة السيد السيستاني (دام ظله) بتاريخ 19/6/2025، موقفًا مبدئيًا يُعيد ربط الأحداث الجارية في المنطقة — وعلى رأسها الحرب المستعرة بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية — بالقيم الكبرى لكربلاء، ومفهوم الجهاد الحق.

ثنائية الحسين ويزيد في سياق سياسي معاصر

قال الشيخ الكربلائي: “ثورة الإمام الحسين عليه السلام نبراساً يبصرنا في صراع الحق مع الباطل” وهذه الجملة ليست وصفًا خطابيًا بل مفتاح لقراءة مواقف المرجعية حيال ما يجري في المنطقة. فالحرب القائمة اليوم بين إسرائيل وإيران، بما تحمله من محاولات استهداف مباشر للقيادة الدينية والسياسية الإيرانية، ليست ـ في نظر المرجعية ـ مجرد خلاف سياسي، بل تمثل — وفقًا لبيان النجف الأشرف — “عدوانًا عسكريًا ظالمًا يتجاوز المعايير الدينية والأخلاقية وينتهك القوانين الدولية.”

هذا الموقف لا ينبع من تبعية سياسية أو موقف مذهبي، بل من رؤية مبدئية، ترى أن أي اعتداء على الكيانات المستقلة، خاصة تلك التي تمثل ثقلًا دينيًا، ينذر بـ”فوضى عارمة تزيد من معاناة شعوب المنطقة وتضر بمصالح الجميع إلى أبعد الحدود.”

كربلاء المعاصرة: من النجف إلى طهران

ربما تُفهم هذه المواقف أحيانًا على أنها انحياز لإيران، ولكن المرجعية أوضحت دائمًا أنها لا تنطلق من محور جيوسياسي، بل من ميزان الحق والعدالة، الذي جعله الحسين معيارًا خالدًا. وحين يُهدَّد علماء الدين أو تُستهدف العواصم المقاومة، فإن الأمر لا يتعلق بإيران كدولة فقط، بل بالمبدأ الذي تمثله في مواجهة الصهيونية والاستكبار.

لذلك جاء في البيان: “تجدد المرجعية الدينية العليا إدانتها الشديدة لتواصل العدوان… وتحذر من أن القيام بخطوة إجرامية من هذا القبيل… ينذر بعواقب وخيمة.” وهنا تُستحضر كربلاء في وجدان المرجعية كأرض تقاتل فيها حفنة من الأحرار من أجل الحق، رغم التفوق العددي والمادي للطغاة.

دفاع صريح عن القيادة الدينية والسياسية في إيران

وفي خطوة ذات دلالات عميقة، لم تكتفِ المرجعية الدينية بإدانة العدوان، بل عبّرت عن رفض واضح لأي محاولة لاستهداف القيادة الدينية والسياسية العليا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ووصفت ذلك بأنه “تجاوز واضح للمعايير الدينية والأخلاقية، وانتهاك صارخ للأعراف والقوانين الدولية”.

ويُعد هذا الدفاع تأكيدًا على أن المرجعية ترى في القيادات الدينية والمقاومة — سواء في إيران أو غيرها — مقامات لا يجوز المساس بها، ليس لأسباب سياسية، بل لأنها تمثّل الخط الدفاعي الأخير عن كرامة الأمة الإسلامية في وجه الهجمة الصهيونية والاستكبارية. ومن هنا، يتحول الدفاع عن هذه القيادات إلى موقف شرعي وأخلاقي له امتداد في تراث كربلاء نفسه، حيث كان الإمام الحسين عليه السلام هو القيادة الدينية والسياسية التي قاتلت نيابة عن الأمة كلها.

تحذير داخلي للعراقيين :العراق ليس بمنأى

لم يكتفِ الشيخ الكربلائي بالحديث عن الخارج، بل ذكّر بأن “الشعب العراقي ليس بمنأى عن تداعيات الصراع القائم”، في تحذير واضح من أن استمرار هذه الحرب أو توسعها قد يعيد إشعال الساحة العراقية سياسيًا وأمنيًا، ما لم تُبْذل جهود جدية لبناء الداخل.

وهنا يعود الكربلائي ليُحمّل “من بيدهم الأمور” في العراق مسؤولية حفظ الوطن، قائلاً: “عليهم أن يتقوا الله ويحكموا ضمائرهم ويراعوا مصلحة شعبهم وبلدهم والمنطقة كلها.” فمحرم ليس موسمًا للانفعال الطقوسي فقط، بل موسم محاسبة ومراجعة ذات، لكل من يتولى موقعًا من مواقع المسؤولية.

السلام العادل من موقع القوة

في مقابل التصعيد، جاءت دعوة المرجعية صريحة في بيان النجف: “نناشد جميع الجهات الدولية الفاعلة ودول العالم، ولا سيما الدول الإسلامية، أن يبذلوا قصارى جهودهم في سبيل وقف هذه الحرب الظالمة وإيجاد حل سلمي عادل للملف النووي الإيراني وفق قواعد القانون الدولي.” وهذا يعكس العقلانية الفقهية النجفية التي ترفض الانزلاق إلى منطق الحرب الدائمة، وتطرح خيار السلام بشروط العدالة والكرامة.

عاشوراء… خريطة وعي لا خارطة دم وطقس فقط

إن كلمات الشيخ الكربلائي وبيان السيد السيستاني يضعاننا أمام حقيقة أن عاشوراء ليست ذكرى، بل موقف. ومن كربلاء إلى النجف، إلى طهران وغزة وبيروت، تبقى عاشوراء مرآة نرى فيها وجه الأمة: هل تقف مع الحسين أم مع يزيد؟ هل تختار السكوت، أم الانحياز لقيم الشهادة والعدالة؟

وهكذا، فإن المرجعية لا تمارس السياسة بمفهومها الحزبي أو السلطوي، بل بالمعنى العميق لمفهوم “ولاية الأمة” لا “ولاية السلطة”، لتعيد توجيه البوصلة نحو الحسين، في زمن تختلط فيه الخرائط والدماء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *