في ذكرى الإعدام… إسرائيل تُحيي إيلي كوهين وتُهين ذاكرة العرب

في ذكرى الإعدام… إسرائيل تُحيي إيلي كوهين وتُهين ذاكرة العرب
في مشهد رمزي يفيض بالرسائل السياسية والأمنية، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يتوسّط رئيس جهاز الموساد وزوجة الجاسوس الشهير إيلي كوهين...

في مشهد رمزي يفيض بالرسائل السياسية والأمنية، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يتوسّط رئيس جهاز الموساد وزوجة الجاسوس الشهير إيلي كوهين، ناديا كوهين، وهو يتسلّم مجموعة ضخمة من الملفات الاستخباراتية، قيل إنها تتعلق بعمليات كوهين داخل سوريا قبل أكثر من نصف قرن، في واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل على الساحة الإسرائيلية في الآونة الأخيرة.

تزامن الحدث مع الذكرى السنوية لإعدام كوهين في دمشق عام 1965، ما أثار تساؤلات واسعة في الأوساط الإعلامية والأمنية، ليس فقط عن طبيعة الملفات التي تم الإفراج عنها، والتي يقال إن عدد صفحاتها تجاوز 2500 وثيقة، بل عن التوقيت والدلالات، والجهة التي قدمت المساعدة، ومدى توظيف الحدث في سياق التوترات الداخلية والخارجية التي تعصف بإسرائيل، خصوصًا في ملف الأسرى وتدهور العلاقات مع واشنطن.

صفقة غير معلنة ووراء الكواليس

رغم أن التقارير الإسرائيلية لم تؤكد بشكل رسمي مصدر هذه الوثائق، إلا أن مراقبين يرجّحون أن الإفراج عنها جاء نتيجة صفقة سرّية مع أطراف دولية لم يُكشف عنها. وقد تكون الضغوط المستمرة من عائلة كوهين، الساعية لاستعادة رفاته أو معرفة مصيره الحقيقي، قد لعبت دورًا محوريًا في إنضاج هذه الخطوة التي حملت طابعًا استخباراتيًا رمزيًا في توقيت حساس.

الأسطورة الحيّة في ذاكرة إسرائيل

لا يمكن فهم هذا الحدث دون استحضار الصورة التي ترسمها إسرائيل لإيلي كوهين، الذي تسلل إلى قلب النظام السوري في الستينات، وتقلّد مناصب قيادية تحت اسم مستعار، قبل أن يتم اكتشافه وإعدامه. كوهين تحوّل في الرواية الإسرائيلية إلى بطل قومي، وقد شهدنا عبر السنوات كيف يتم توظيف قصته في الذاكرة الأمنية والعسكرية وحتى الثقافية، من خلال الأفلام، والمسلسلات، والنصب التذكارية، ومسار “إيلي كوهين” السياحي، الذي يمتد من تل الفخار شمال الجولان المحتل حتى القنيطرة جنوبًا.

هذا المسار يُروّج له عبر أدلة سياحية تقود الزائر بين التلال المطلة على وديان استراتيجية، حيث نصب تذكاري يخلّد كوهين، وتمثال آخر يصوّر زوجته ناديا وأطفاله الثلاثة وهم يحدّقون نحو دمشق، في مشهد درامي يعزز صورة التضحية من أجل “أرض الميعاد”.

قادة العالم حاولوا العفو… وسوريا رفضت

في شهادة مثيرة، نقل الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ أن كلاً من الجنرال ديغول، وملكة بريطانيا، والبابا في روما، بل وحتى كاردينال الأرجنتين، طلبوا منه العفو عن إيلي كوهين، إلا أن الرد جاء بالرفض القاطع. كان ذلك قرارًا سياديًا لا يخضع لابتزاز أو وساطة، لكنه لم يطفئ جذوة السعي الإسرائيلي لاستعادة رفات كوهين، والتي لا تزال مشتعلة منذ أكثر من ستة عقود.

الرسالة العميقة: كيف تُخلّد إسرائيل رجالها؟

الرسالة الأهم التي يبثها هذا الحدث ليست فقط سياسية أو أمنية، بل حضارية وثقافية. إسرائيل، رغم صراعاتها، لم تتوقّف يومًا عن السعي خلف بقايا رجل واحد، جسده، ساعته، أرشفته. وفعلت ذلك مرارًا مع غيره. في المقابل، لا تزال العديد من الدول العربية تتجاهل مفقوديها، وشهداءها، وأبطالها الذين ضحوا بدمائهم دون حتى نصب تذكاري يخلدهم، أو ملف أرشيفي يُحفظ في ذاكرة الوطن.

لقد نجحت إسرائيل في توظيف كوهين كرمز للتفاني والبطولة، في حين لم تنجح كثير من الدول العربية في الحفاظ على رموزها، أو حتى سرد قصصهم للأجيال. بين من يصنع من جاسوس أسطورة، ومن يدفن بطله في النسيان، يكمن الفارق بين من يحترم تاريخه ومن ينساه عمدًا.

الأرشيف… حين يُسرق الماضي لتُكتب رواية المنتصر

الملف ليس جديدًا، فقد حصلت إسرائيل في أعقاب غزو العراق عام 2003 على أرشيف الدولة، بما فيه الأرشيف اليهودي وملفات المخابرات. واليوم، تتعامل مع هذه الوثائق كجزء من ميراثها الوطني، توظّفه سياسيًا وتاريخيًا وثقافيًا. ما حدث مع كوهين يُعيد للأذهان قصة مشابهة تتعلق بهذا الأرشيف، الذي سُلب في لحظة سقوط، وتم تهريبه بهدوء، ليُستخدم لاحقًا في كتابة الرواية كما تشاءها “إسرائيل الرسمية”.

الخاتمة: الفارق بيننا… الذاكرة الحيّة والذاكرة الميتة

ما حدث ليس مجرد تسليم ملفات، بل تذكير مرير للفارق بيننا وبينهم. إسرائيل تلهث منذ عام 1965 خلف رفات كوهين، ونحن نُضيّع رفات مئات بل آلاف، لا نعرف أسماءهم، ولا مواقع دفنهم، ولا حتى تاريخ نكباتهم. إسرائيل تصنع من رجل رمزًا، ونحن نحرق رموزنا كل يوم في صمت، ونصمت على تشريدهم وامتهان كرامتهم

بين مسار إيلي كوهين المعلّم والموثق، وبين قبور بلا شواهد لأبطالنا، تمتد مسافة ليست فقط جغرافية، بل حضارية. ربما لا نحتاج إلى مزيد من الهزائم كي نفيق، بل إلى لحظة صدق نعيد فيها الاعتبار لذاكرتنا، ونُحيي فيها رموزنا، قبل أن تُطمس إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *