إنَّ الحديث عن الفكر العربي هو حديث عن الهوية العربية، على الرغم من وجود تداخل بين الفكر العربي والفكر الإسلامي، وهذا التداخل مفهوم بطبيعة الحال، ذلك لظهور الدين الإسلامي في بيئة عربية، ومن ثم انتشر في البيئات الأخرى غير العربية.
وعلى الرغم من هذا التداخل، يمكن تمييز الفكر العربي وسماته وقدراته، فضلًا عن إبداعاته ومدى إسهاماته في الحياة الفكرية والثقافية، ولا أحد يستطيع أنْ ينسى فضل العلماء العرب وما قدموه إلى الحياة الفكرية والثقافية، وعلى سبيل المثال: جبرائيل بن بخيتشيوع والكندي والجاحظ وبنو موسى وابن الهيثم وابن النديم وغيرهم الكثير، فكل واحد من هؤلاء قد أبدع في مجالٍ معين من المعرفة.
ولكن ما يواجه الفكر العربي خاصة والفكر الإسلامي عامة، وهنا أذكر الفكر الإسلامي لضرورته، هو التاريخ، ذلك لعدم وجود تاريخ يفصل مراحل هذا الفكر، ولا توجد تسميات لعصور هذا الفكر، ولذلك أنَّ الدارسين والمتتبعين للفكر العربي يواجهون مشكلة كبيرة في الحديث عن تاريخ للفكر العربي، على العكس من الفكر الغربي الذي قسم إلى ثلاثة عصور، وهي: العصر اليوناني والعصر الوسيط والعصر الحديث، والذي أوجد هذا التقسيم لا يظهر أبدًا صلة الانقطاع بين هذه العصور، ويعرضها كأنها سلسلة متصلة فيما بينها، على الرغم من الانقطاع الكبير بين كل عصر وآخر، وكل عصر من هذه العصور يحمل فكرًا مختلفًا عن العصر الذي يليه، فضلًا عن وجود انقطاع بين هذه العصور قد تمتد إلى مئات من السنين. وفي المقابل نحن بحاجة إلى إيجاد تاريخ للفكر العربي يبتعد أولًا بالتقسيم الغربي، وثانية يبتعد هذا التاريخ من التسميات للدول الإسلامية مثل (الخلافة الراشدة أو الدولة الأموية أو العباسية وغيرها).
إنَّ إيجاد تاريخ خاص للفكر العربي يعبر عن هويته، وعن ديمومته، وهذا التاريخ سيعطي قراءة جديدة للفكر العربي ومدى إبداعه، فضلًا عن أنَّ هذا التاريخ، إذا تحقق، سيقضي على حالة الانقطاع في صيرورته، وسيعرضه للمتتبعين والباحثين بكونه في صيرورة مستمرة لا انقطاع فيها، وكذلك سيعطي كل حقبة من هذا التاريخ أهميتها وطبيعة إنجازها المعرفي، وحتى العصور المظلمة التي تطلق على مرحلة من مراحل تاريخ الفكر العربي. ولو رجعنا في حقيقة الأمر لا نجدها كذلك، فهي مليئة بالإنتاج العلمي والثقافي على عكس ما هو شائع، ذلك لاستمرارية الإنتاج العلمي والمعرفي، وقد انتجت الكثير من الإسهامات العلمية والمعرفية آنذاك.


