من “قمامة الجار” إلى “صبر العقود”: كيف تحول الصبر الإيراني إلى عقيدة ردع نارية؟

من قمامة الجار إلى صبر العقود كيف تحول الصبر الإيراني إلى عقيدة ردع نارية؟
تستند الرؤية المطروحة إلى ربط الأمن القومي الإيراني بالأمن الإقليمي، معتبرةً أن استخدام أراضي دول المنطقة في تهديد إيران يرتب مسؤوليات عليها. وبعد عقود من الصبر الاستراتيجي، تتجه طهران إلى ردع نشط يهدف لتغيير قواعد الاشتباك وحماية مصالحها الحيوية....

تطرح التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط تساؤلات ملحة حول دوافع العقيدة العسكرية الإيرانية في استهداف القواعد العسكرية الأمريكية، واعتبار المساس بمنشآت الطاقة جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي *يبيح لها استهداف كافة المنشآت الحيوية في المنطقة* تحت بند حق الدفاع الشرعي عن النفس.

▪️ ولتفكيك هذه العقيدة، يبرز البعد الأخلاقي والقانوني لمفهوم مسئولية الدولة عن إقليمها، حيث يتفق القانون الدولي على أن سيادة أي دولة تقتضي عدم السماح باستخدام أراضيها منصة لشن عدوان على دولة أخرى.

▪️ وفي تكييف أنثروبولوجي وواقعي لهذه المعادلة، يمكن قياس الأمر على من يستضيف ضيفاً في بيته، ثم يقوم هذا الضيف بإلحاق الأذى والعدوان المستمر على الجار انطلاقاً من هذا المنزل؛ وهنا تتجلى الإشكالية الإنسانية والأخلاقية حول واجب رب المنزل: هل يكمن حقه الأخلاقي في حماية هذا الضيف المعتدي أم في ثنيه عن إلحاق الأذى بالجار؟ وإذا اكتفى رب المنزل بإصدار بيانات الشجب والاستنكار الشكلي بينما تستمر أراضيه وبلاده مركزاً لإدارة الاعتداء، فلا يمكن للجار المتضرر أن يقف مكتوف الأيدي ينتظر هدم بيته بالكامل ليواجه هذا التهديد، بل يتوجب عليه بموجب قواعد حماية الذات وتحييد الخطر استهداف مصدر التهديد بشكل مباشر.

▪️ وفي هذا السياق التاريخي، يُسجل للسياسة الإيرانية اعتمادها الممتد لمفهوم الصبر الاستراتيجي تجاه ما تعتبره استفزازات ومخاطر تحيط بحدودها على مدى عقود طويلة، في مقاربة تذكر بالروايات التراثية حول *صبر النبي صلى الله عليه وسلم على الأذى المباشر من جاره الذي كان يلقي القمامة أمام منزله لعدة أشهر، إلا أن المفارقة التاريخية تكمن في أن التحمل الإيراني امتد لنحو سبعة وأربعين عاماً*  من وجود قواعد عسكرية وتحركات عدائية ومحاصرة إقليمية دون الذهاب إلى مواجهة شاملة ومباشرة، على الرغم من إدراكها المطلق بأن هذه القواعد لا تعمل بمعزل عن البيئة المحيطة بها، بل تحظى بالتمويل والإسناد اللوجستي والمالي من دول المنطقة، وهو ما أقر به صراحة قادة دوليون ومنهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحاته حول تكاليف الدعم وحجم التمويل الذي تقدمه بعض دول المنطقة للوجود العسكري الأمريكي.

▪️ ومن هذا المنطلق بالتحديد، انتقلت الاستراتيجية الإيرانية من مرحلة التحمل والصبر الاستراتيجي إلى فرض معادلة ردع نشطة وشاملة؛ ترتكز على مبدأ وحدة الأمن الإقليمي، حيث تُترجم أي محاولة للمساس بمنشآتها الحيوية أو اقتصادها النفطي إلى تهديد متكافئ لمنشآت الطاقة في المنطقة بأكملها، فرضاً لمعادلة أن الجار المعتدى عليه لن يستمر في مراقبة استهدافه تحت مظلة البيانات الشكلية، بل سيمارس حقه الكامل في الدفاع عن أمنه القومي وتغيير قواعد الاشتباك لحماية سيادته وجوده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *