لم تكن السيادة العراقية، منذ احتلال العراق عام 2003، مجرد مفهوم دستوري يُتداول في الخطابات الرسمية، بل تحولت إلى معركة يومية تخوضها الدولة في مواجهة شبكة معقدة من الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية. ويرى كثير من المراقبين أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بإسقاط نظام سياسي، بل عملت على ترسيخ منظومة من النفوذ تجعل القرار العراقي يتأرجح بين إرادة الدولة الوطنية وإكراهات الهيمنة الدولية، حتى بدا وكأن بغداد تقف على أرجوحة سياسية لا تستقر على حال.
وفي قلب هذا المشهد، ظل الاقتصاد العراقي أحد أبرز أدوات التأثير ، إذ أن اعتماد العراق على النظام المالي العالمي المقوم بهيمنة الدولار، وإيداع عائدات صادراته النفطية ضمن ترتيبات مالية مرتبطة بالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، جعل القرار الاقتصادي العراقي عرضة لتأثيرات سياسية ومالية يراها منتقدو السياسة الأمريكية قيداً على الاستقلال الاقتصادي. ويرى هؤلاء أن أي تشديد في إجراءات التحويلات أو القيود المالية ينعكس سريعاً على سعر صرف الدينار، والأسواق، والاستيراد، وحياة المواطن اليومية، الأمر الذي يحول الاقتصاد إلى ساحة ضغط تتجاوز الحسابات التجارية البحتة.
ولم يكن قطاع الكهرباء الذي نعيش ازماته لهذه اللحظة بعيداً عن هذا المشهد؛ فالعراق على الرغم من ثرواته النفطية والغازية الهائلة، ما يزال يعاني نقصاً مزمناً في الطاقة الكهربائية. ويرى عدد من المحللين أن هذا الواقع نتج عن تداخل عوامل عديدة، من بينها تعقيدات سياسية وعقوبات إقليمية ومشكلات داخلية كالإدارة والفساد على رأسها ، وهو ما حال دون بناء منظومة كهربائية مستقلة ومستقرة، وكانت النتيجة أن بقي المواطن العراقي رهينة ساعات التقنين ، وتعثرت الصناعة، وتراجع الاستثمار، بينما استنزفت الموازنات العامة في حلول مؤقتة لم تضع حداً للأزمة.
أما على الصعيد الاجتماعي والثقافي، فإن آثار الضغوط لا تقل خطورة عن آثارها الاقتصادية، فسنوات عدم الاستقرار، والأزمات المتلاحقة، والهجرة المتزايدة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، تركت ندوباً عميقة في الوعي الجمعي. كما يرى بعض الباحثين أن التحولات الثقافية والإعلامية المتسارعة، في ظل ضعف المشروع الثقافي الوطني، أوجدت حالة من الاغتراب الفكري والتشوش في منظومة القيم، الأمر الذي يجعل حماية الهوية الوطنية جزءاً لا يتجزأ من معركة استعادة السيادة.
إن الدولة التي تُقيد إرادتها الاقتصادية، وتُستنزف طاقاتها الإنتاجية، وتُترك بنيتها التحتية رهينة الأزمات، تجد نفسها عاجزة عن ممارسة سيادتها بصورة كاملة، فالسيادة ليست علماً يرفرف فوق المباني الحكومية، ولا نشيداً وطنياً يُتلى في المناسبات، وإنما هي قدرة حقيقية على اتخاذ القرار الوطني بعيداً عن الضغوط والإملاءات، وبما يحقق مصالح الشعب ويحفظ كرامة الوطن.
إن العراق يمتلك من الثروات الطبيعية، والطاقات البشرية، والإرث الحضاري، ما يؤهله لأن يكون قوة إقليمية فاعلة، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب مشروعاً وطنياً يعزز استقلال المؤسسات، وينوع الاقتصاد، ويطور قطاع الطاقة، ويحارب الفساد، ويبني علاقات دولية متوازنة تقوم على الندية والاحترام المتبادل، لا على منطق الوصاية أو الهيمنة.
ويبقى الأمل معقوداً على أن يستعيد العراق زمام قراره الوطني بإرادة أبنائه، وأن تتحول السيادة من شعار يُرفع في المنابر إلى حقيقة تُترجم في الاقتصاد، وفي الأمن، وفي الثقافة، وفي التنمية. فالأوطان لا تنهض إلا عندما يكون قرارها نابعاً من إرادتها الحرة، ومصالح شعبها، لا من حسابات القوى الخارجية، مهما بلغ نفوذها أو اتسعت أدوات تأثيرها.

3 Responses
أحسنتم دكتور أجدت وابدعت
احسنتم دكتور اجدت و ابدعت
احسنت دكتور