كثيرا ما تستعمل كلمة إستراتيجية بالإشارة إلى خطة أو نهج ثابت في السياسة. وأحيانا تُطلق على أي شيء يمثل قيمة حيويّة ذا أهميّة كبرى، أمّا جذور المصطلح فهي تخصّ الجيوش بنحو نظامها ومنهجها الأساسي في الحرب وتحقيق الأهداف والانتصارات. مع أن تشعّب النظريات أدى إلى إفراد علم خاص في الاستراتيجيات لتشمل جوانب متعددة مثل الاقتصاد وإدارة الأعمال وغيرها. لكن المثير للسخرية في مفهوم علم الاستراتيجية أن تُحشر ضمن إطار السمسرة والمزايدة السياسية كما سمعنا عن إستراتيجية الغرب. لو سلمنا جدلا بأن أمريكا لم تكن لديها استراتيجية شاملة وأهداف بعيدة المدى، في هذه الحالة سنحكم على السياسة الأمريكية بأنها تترنّح بين المزاج الجمهوري والديمقراطي أو التجاذب بينهما. لعلّ أهم فاعل في بديهيّات علم الاستراتيجية هو الهدف، وكل حيثيات هذا العلم تدور حول كيفيّة تحقيق الأهداف والنتائج، أمّا العدو فهو العائق الرئيس الذي تدور حوله وعليه الدوائر سواء بسحقه أو احتوائه وتوظيفه في خدمة الأهداف. من هذه البديهية يمكن أن نستنتج وقائع وتداعيات ومآلات الأزمة العالمية الحالية كي لا نضيع بين ضباب وإثارة غبار الحوادث التي تدور في الشرق الاوسط. أما شعوبنا العربية فهي لا تطالب بالمستحيل وليس لأحد حق في مصادرة إرادتها. لكنها السياسة الغربية تلك الممارسة التي لا تنفك عن التلاعب في مقدرات الأمم ولا تنفكّ عن التحايل وخلق جميع المشاكل. ربما لأن نزعة الاستبداد الغربية غريزة تاريخية، وأن الصراع مكتوب على شعوبنا بمنطق جدل الحياة والديمومة. أمّا التاريخ فليس له شأن أكثر من تدوين الوقائع ليترك لنا بصمات آثار العظماء. هنا نقف على حافة وجودنا لننظر الى الأمام فنترك ما نعجز عن استيعابه لنسجّل صفحتنا الحضاريّة.
بلا شك أن الأزمة العالمية الحالية واقعة في حياتنا، ولكن ليس من السهل تحديد مدلولها، لأن تاريخ البشرية كان وما يزال نموذجا معقدا من الأزمات والصراعات والصدامات وسياسة القوة، وكل هذه تعمل معا وتتشابك بصورة عجيبة، لاسيما التحدي الذي يواجه القيم الأساسية لنظرية الأمن والسلم الدوليين ليس هو المسألة الوحيدة التي تنطوي عليها الأزمة، ولكن هنالك شيء أكبر وأوسع من موضوع السلام العالمي ألا وهو إرضاء الطموح غير المحدود، ذلك الطموح الذي يفعم صدور صانع القرار السياسي الغربي المتعطش إلى بسط نفوذه وسطوته على العالم. بالتالي انتقل العالم من عصر الثورة العلمية والتكنلوجية والحقبة التاريخية المعاصرة التي تتسم بالتطور المعرفي والتقني المتسارع إلى عصر طغاة النهضة العلمية ومؤامرات الغرب على الشرق الأوسط.
وفي معرض البحث عن سبب دوامة الغضب لمشاهد الدمار الذي حلّ بمنطقة الشرق الأوسط لأن الأسباب تترابط تاريخيّا الى مستوى من العمق تعجز الرؤيا بدقة التحليل عن إدراكها، إذا حاولنا تفسير الصراع سيبرز البترول كأهم الدوافع، ولكن كلفت ما تنفقه امريكا عسكريا يفوق أضعاف الاستفادة من النفط، بيد أن أمريكا حاليا أكبر منتج للبترول ولديها أكبر مخزون عالمي للطاقة، وأن هدف الولايات المتحدة الأمريكية ليس اقتصاديا في الشرق الأوسط، بل الهدف استراتيجي لغرض الهيمنة ومسك زمام أمور العالم، والشرق الأوسط قلب العالم النابض الذي تتشابك فيه جميع الشرايين والأوردة.
ومن بعد البترول تأتي الأهميّة الجغرافية لمنطقة تعتبر قلب العالم ومهد حضاراته الإنسانية ومنطلق كل الأديان التي تدين بها غالبية البشر. وإذا حاولنا القفز لما بعد التقسيم الاستعماري مع بدايات القرن العشرين، من هنا سنفهم أسباب كل جوانب عرض المشهد التراجيدي للأزمة العالمية الحالية بكل تجليات فصولها المأساوية ابتداء من احتلال العراق الى مانتج وتطور عنه في انهيار منظومة توازن المنطقة، أما القوى الفاعلة فبدون شك تتقدم الولايات المتحدة الامريكية لتمثل الدور الرئيس على المسرح. ثم لنعترف صراحة إن كل الحسابات وتوقع الأحداث لم يعد متاحا خارج دوائر صناعتها. لذلك قد تسرح وسائل الاعلام الغربية خارج أبعاد رسم واقع الحدث، أو ربما يتم تسخير الإعلام الغربي للتشويش وتشتيت الأذهان لكي يتم تمرير المياه تحت السطح. ثمة حقيقة تستوجب ألا نغفل عنها تُفيد بأن التطور النوعي للأسلحة الحربية خصوصا ما يتعلق بالدمار الشامل أنتج معه فضيلة ابتعاد الدول الكبرى عن الحرب المباشرة بين جيوشها، هذا التطور مع سباق التسلح قد أجبر الدول أن تعوضه بحروب الوكالة من خلال تجنيد الجماعات وتأسيس أحزاب ومنظمات مسلحة تؤدي وظائف بعينها. وربما أن الأزمة العالمية الحالية قد أثبتت جزء من فاعليتها في التخريب أو التفكيك الاجتماعي وإشاعة الفوضى أو مشاريع التمدد السياسي الأيديولوجية.
سنفترض إن الفوضى والدمار الواسع الذي جرى في العراق وسوريا وليبيا واليمن لم يكن مخططا له مسبقا وهذا الافتراض نعزّي به أنفسنا. هُنا نتساءل عن المقابل لكلفة الدماء والدمار التي دفعناها ولا نزال ندفعها؟ لماذا وما هي النتائج؟ كل ما يمكن استيعابه هو أن الستار سيكشف عن مشهد الفصل الأخير لكي تبدأ عروض جديدة لكوميديا السياسة، لأن قوانين التمثيل تفرض جدلية تناوب بين المأساة والملهاة. تلك الأدوار المخزية التي نفذوا خلالها مسلسلات من السياسات المرسومة تفاصيلها بدقة وقائعها والنتائج المطلوبة منها ضمن إستراتيجية بعيدة المدى لا تزال المنطقة تشهد كوارث ما ترتب عنها، إن الحقيقة التي تشهر نفسها كالبدر في تمامه هي أكذوبة الأمن والسلم الدوليين. من هذه الحقيقة سنفهم بأن مجمل الصراعات تدخل في حيّز نشر الفوضى في منطقة الشرق الأوسط وتسخير تلك الفوضى وفق إستراتيجية غربية طويلة الأمد تهدف الى تحقيق نظام عالمي يكون مركزه في الشرق الأوسط.
في القدس يرقد هيكل سليمان تحت ثرى أطلال التاريخ، وكنيسة القيامة تخفي وجهها خجلا من بهاء السيدة العذراء. وفي القدس تشمخ قبة الصخرة بصدى تكبير آذان المسجد الأقصى، أما التلال والروابي والسهول فهي تحكي قصص الإنسانية بروعة صهيل خيول أقوام كانوا يتعانقون بالسيوف فيرحل بعضهم ويبقى آخرون. إن المكر السيئ يحيق بأهله والسياسات الخاطئة تعقبها كوارث، لا شيء يستقر بدون توازن ولا يمكن تحقيق السلام العالمي إلا من خلال العدل.


