هدنة هشّة أم انتصار مشروع؟

هدنة هشّة أم انتصار مشروع؟
هذه المقالة تحلل تداعيات الضربات الإسرائيلية على إيران، مشيرةً إلى أن المواجهة مستمرة بصيغ سياسية واستراتيجية، مع إبقاء النظام الإيراني قوياً وتحقيق توازن ردع جديد في المنطقة....

هذا المقال يُعدّ الخامس في سلسلة مقالات وتحليلات كتبتها عقب الساعات الأولى من الضربات الإسرائيلية على الجارة الإيرانية
جاء بعد مقالي الأول:
،(إسرائيل تتجاوز النووي: خرائط الدم من طهران إلى الملاجئ)
ثم: (إيران وإسرائيل: من له الكلمة الأخيرة؟)،
و(حين لا تكفي القنبلة)،
وأخيراً: (سقط السقف والأوتاد ثابتة).

فضلًا عن التغريدات والمنشورات والتغطيات التلفزيونية والإذاعية والصحفية التي شاركتُ فيها خلال الأيام الماضية، والتي عملت جميعها على تفكيك الخطاب الإعلامي والسياسي الذي يحاول –عن قصد أو وهم– رسم مخيلةٍ مفادها أن إيران قد خرجت من هذه الحرب مُنهكة، أو أن وجودها في الإقليم بات على وشك الانهيار.

محاولة قراءة أعمق لما وراء الأحداث
ما أسعى إليه في هذا النص، ليس إعادة سرد الوقائع، بل تقديم قراءة أكثر عمقاً لما جرى: من بدأ، من رد، ومن سيكتب النهاية. لأن الحقيقة، كما أثبتت هذه الجولة، لا تُكتب في نشرات الأخبار، بل تُدوَّن لاحقاً في وثائق الذاكرة والسياسة.

البداية: الضربات الإسرائيلية المباغتة ومحاولة فرض واقع جديد
في الأيام التي تلت الضربات الإسرائيلية المباغتة على منشآت نووية إيرانية، بدا وكأن المنطقة تقف على حافة هاوية مفتوحة، لا أحد يعرف إن كانت ستُغلق بتسوية أم بانفجار أوسع. إسرائيل بدأت، بضربات مباشرة استهدفت منشآت فوردو وناتنز وإصفهان، في محاولة واضحة لفرض واقع جديد يُنهي حلم إيران النووي، أو على الأقل يؤخره بما يكفي لإعادة ترتيب أوراق الردع في المنطقة…

إيران ترد بقواعد اشتباك جديدة دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة
…لكنّ ما لم يُحسب بدقة، هو أن إيران هذه المرة لن تكتفي بالشكوى في مجلس الأمن، ولا بالاكتفاء بإدانة على لسان المتحدث باسم الخارجية، بل كانت مستعدة لردّ محسوب، لا يتخطى عتبة الحرب الشاملة، لكنه يَصُمّ آذان من ظنّها لن ترد.

الرد الصاروخي الإيراني وتوسيع حدود الاستهداف
منذ البداية، لم تكن إيران هي من بدأ الحرب. منطق الرد لا يعني المبادرة بالعدوان، بل الردّ على عدوان. لذلك فإن الصواريخ التي انطلقت من الأراضي الإيرانية نحو عمق إسرائيل لم تكن إعلاناً للحرب، بقدر ما كانت إعلاناً عن أن قواعد الاشتباك تغيّرت…

…لكن هذه المواجهة لم تكن ميدانية فقط. خلف الصواريخ والطائرات، كان هناك شبح حاضر في كل خطوة: الاستخبارات. تقارير مسرّبة تحدّثت عن اختراقات أمنية سبقت الضربات، وعن معلومات دقيقة وصلت لإسرائيل بشأن مواقع أجهزة الطرد المركزي، وعن تورط جهات داخلية أو إقليمية في تسهيل المهمة…

الهدنة لا تعني نهاية الحرب بل بداية مرحلة سياسية جديدة
وعندما دخلت الهدنة حيز التنفيذ، تحت رعاية أمريكية مباشرة، بدا أن الحرب قد توقفت، لكن الحقيقة أن الحرب السياسية بدأت من جديد. تصريحات ترامب بأن الضربات كانت (ناجحة ومذهلة) سرعان ما فندتها تسريبات استخبارية تقول إن المنشآت لم تُدمّر كلياً…

تناقض الروايات: بين الرواية السياسية والأمنية
…وإن البرنامج النووي تأخّر فقط لأشهر معدودة. وهنا يظهر التناقض بين الرواية السياسية والرواية الأمنية، وهو ما يعيدنا إلى مقولة المؤرخ العسكري كارل فون كلاوزفيتز: (الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى).

فهذه الضربات لم تكن بهدف الحسم النهائي، بل لفرض شروط تفاوض جديدة، وربما لرفع سقف التهديد قبل الجلوس إلى الطاولة.

لم يُكتب النصر في هذه الجولة بالحسم العسكري، بل بالمكاسب السياسية المؤجلة. إسرائيل نفّذت ضربات دقيقة في ظاهرها، لكنها كشفت هشاشتها أمام الصواريخ الإيرانية، واضطراب جبهتها الداخلية، وتعرّض تحالفاتها للتوتر…

وإيران من جهتها أثبتت أنها قادرة على الرد بحزم مدروس، واستطاعت أن تثبت حضورها في معادلة الردع الإقليمي، رغم التحديات الاقتصادية والضغوط النفسية والأمنية المصاحبة لهذه الجولة…

الولايات المتحدة: الوسيط المرتبك بين الدعم والتردد
…أما الولايات المتحدة، فوجدت نفسها في موقع الوسيط المتردد، المتضامن مع إسرائيل حيناً، والغاضب من تجاوزاتها حيناً آخر.

ما بعد الحرب لم يُحسم بعد. فالنهاية ليست تلك التي تُعلَن في نشرات الأخبار، بل تلك التي تُدوَّن لاحقاً في الذاكرة الاستراتيجية، وتُبنى عليها اتفاقات أو تُفتح بها معارك جديدة…

…ما شهدناه هو اختبار لقدرة الردع وحدود التحالفات، وتجربة حقيقية لمعادلة (الخط الأحمر) التي طالما استُخدمت كأداة ضغط لكنها اليوم أصبحت عرضة للتشكيك…

الانتصار الحقيقي: من يُعيد تعريف ميزان الردع
…لكن في العمق، لا يُقاس الانتصار في حروب كهذه بما يُدمَّر، بل بما يُفرض من معادلات جديدة، وبما يُنتزع من مساحة في ميزان الردع. المنتصر هو من يُجيد إعادة تدوير الخسارة إلى مكاسب سياسية، ومن يُدير صمته بعد الضجيج بطريقة تُعيد تعريف التوازن.

الهدف الحقيقي: إسقاط النظام لا المنشآت فقط
لقد كان الرهان الأكبر هو سقوط النظام، لا فقط ضرب منشآته. وضعت إسرائيل هذا الهدف أمام أعينها، وشاركتها فيه الولايات المتحدة، كلٌ بطريقته. لكن الحقيقة أن النظام لم يسقط، بل تجاوز المحنة بثبات نسبي، وأعاد ترميم صورته بصواريخ دقيقة وردود محسوبة. ومن يصمد بعد لحظة الانفجار، يكتب الرواية ولو بتأنٍ. القوة ليست فقط في الطلقة، بل في البقاء بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *