الخط العربي البعد البصري وبيان النص

الخط العربي البعد البصري وبيان النص
كلما هممت بالكتابة عن فن الخط العربي وجدت نفسي منسقاً الى التماس مع ثنائية كالما شكلت ثيمة ألقت بظلالها علي كل مرة، وهي ثنائية البصري ـ اللابصري (اللغوي تحديداً)، او على حد تعبير النقد الماركسي ثنائي السامي ـ النثري، فكان هنالك بون شاسع مابين أنتاج نص مكتوب ذي مدلول لغوي نتيجة شكل من أشكال الحروف كجزء من عملية الكتابة،...

كلما هممت بالكتابة عن فن الخط العربي وجدت نفسي منسقاً الى التماس مع ثنائية كالما شكلت ثيمة ألقت بظلالها علي كل مرة، وهي ثنائية البصري ـ اللابصري (اللغوي تحديداً)، او على حد تعبير النقد الماركسي ثنائي السامي ـ النثري، فكان هنالك بون شاسع مابين أنتاج نص مكتوب ذي مدلول لغوي نتيجة شكل من أشكال الحروف كجزء من عملية الكتابة، وبين شكل الكتابة بغض النظر عن مدلولها كنص لغوي وهو العامل الحاسم في قضية تناول الخط كفن او تناوله كحامل لنص لغوي يقع خارج الواقعة البصرية، ومن وجهة نظرنا يرتكب النقاد التشكيليون، حينما يخلطون بين فهم الخط كوعاء (او حامل) للعبارة وبينه كنمط تعبيري بصري بلاستيكي مستقل بشروطه الخاصة والمنعزلة عن مدلولات النص، فكان العديد من النقاد غالباً ما يقعون من  هذا الخلط مثل عميان بروجل، فكان جلهم لا يفضل بين  البصري والمعنى اللغوي للكتابة، فكان عندهم ((الخط واللفظ يتقاسمان فضيلة البيان ويشتركان فيها، من حي ان الخط  دال على الإفهام، ولاشتراك اللفظ والخط في هذه الفضيلة، وقع التناسب بينهما في كثير من أحوالها، لأنها يعبران عن المعاني،  إلا ان اللفظ بمعنى متحرك، والخط بمعنى ساكن، وهو يفعل فعل المتحرك باتصاله بما تضمنه الى الإفهام، والأقلام السنة الإفهام ” كما يقول عبد  الرحمن يوسف بن الصائغ المتوفى عام 845 هجرية، في مخطوطة (تحفة الألباب في صناعة الخط والكتاب) التي حققها هلال ناجي وصدرت عام 1981، وكذلك ينغمس أبو الحسن البصري الماوردي بالفكرة حينما يربط بين حسن الخط ورداءته ووضوح المعنى بتجنب أخطاء الكتابة وتحريفها وبذلك فهو يضع الخطاطين في مقام النساخ، بينما ينغمس الكاتب الخطاط معصوم محمد خلف (مجلة الرافد/ العدد 92/ ابريل 2005 ) في ذات الخلط حينما كان الخط عنده ((لم يزل يمتلك سحره الخاص داخل الكلمة والجملة… حيث تكون الرسوم المكتوبة دالة من خلال تركيبها، على بعض المعاني، وكلما ارتقت صناعة  الكتابة كانت أكثر دقة في التعبير عما يجيش في النفس من أفكار وعواطف وانفعالات “(ص65)، ليصل الى استنساخ يقرر فيه (ليست الكتابة (ويعني به الخط) مجرد رسم لأشكال الحروف، إذ ان ذلك قد يتم بتدريب بعض الحيوانات، ولكن الكتابة أكثر تعقيداً من مجرد الرسم المادي لشكل الحرف، فهي بالدرجة الأولى، رسم للشكل يعتمد على الترابط العقلاني المنظم بين تلك الأشكال. ولو اكتفينا بمجرد الرسم لكانت الكتابة فاقدة معناها، غير نؤديه الغرض منها (ص65). وهو استنساخ يدل على فهم هدف (الخط) بالمعنى الناشئ من العبارة، ولم يميز هؤلاء بان المعنى ليس هدف الخط بل هدف الكتابة، وان الخط يفارق الكتابة كونه قضية بلاستيكية تشكيلية، فيما تكون الكتابة ذات أهداف اتصالية لإنتاج معان في الغالب، ويقع في المطب ذاته كاتب من وزن أثقل هو ادهام محمد حنش الذي اصدر كتاباً بعنوان (الخط العربي وإشكالية النقد الفني ) بغداد 1990، ليبحث في ((قضايا الخط الفنية الخالصة ))كما جاء في مقدمة الكتاب، بينما يظل حاملا فهما يبدو جاثما في لاوعيه الفكري ليقول ((يظل ارتباط الشكل بالمضمون في مستوى واحد يتجسد عبر العلاقة العضوية الداخلية لارتباط الشكل الخطي بالمضمون اللغوي ))ويصل الى ذات الاستنساخات التقليدية التي لم تقدم لفن الخط شيئاً وهي ان فن الخط العربي ((فن  بليغ، بل هو فن البلاغتين : البصرية والذهنية )) (ص).

تنطوي المخطوطات العربية القديمة على التماعات مهمة ومناقضة لهذا الفهم، تتناول من الخط العربي تناولاً بصرياً، ولكن مثل هذه الفكر تضيع غالباً في زحمة النقد السريع والخاضع لاشتراطات (ايديولوجية) تعتبر الهدف الأهم لهذا الفن، بل وكل أنماط الفن، وإيصال المعنى، فقد أخذتني بلاغة نصيحة أسداها الأمام علي (ع) لرجل رآه الأمام قبيح الخط فقال له ((اطل جلفه قلمك وأسمنها، وحرف قطتك وايمنها، واعدل أقسامك، وأقم الفك ولامك ))، ويخطئ عبد الرحمن يوسف بن الصانع حينما يعتبر هذه ((وصية تضمنت أصول الكتابة ))، بل هي برأينا وصية تضمنت أصول الخط، وهو ما أكد عليه أبو بكر الصولي حينما قال واضعاً الخط الجيد بأنه ذلك الذي ((اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وحناها صعوده حدوره، وتفتحت عيونه، ولم تشتبه رأوه ونونه وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنفاسه ولم تختلف أجناسه…)) الى أخر وصية طويلة تتبع هذا المنوال، ووصية ابي حيان التوحيدي للخطاط بان ((يصور الخط بأحسن مقاديره حتى لا يقع التمني لما دونه، ولا يخطر بالبال شأو ما فوقه، ويعدله في شطره، ويشبهه مما يأتي من شكله، ويقرن الحرف بالحرف على قياس معنى من شرط في تقريب مساحته، وتبعيد مسافته، ولا يقطع الكلمة بحرف يفرده في غير سطره، ويسوي أضلاع خطوط كتابه، ولا يمليه بما ليس من زيه، ولا يمنعه مما هو له بحقه، فتختلف حليته وتفسد قسمته )) كما ميز ابن خلدون بين الكتابة والخط باعتبار  الأولى ((رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس )) والخط صنعه فن. ان هذه المقولات تضع اليد على فهم ربما كان مطموراً في صفحات الكتب، فهو يعيد الاعتبار للجانب البصري باعتباره الخط إبداعا بلاستيكياً تأسست شيئيته على المواد الفاهم الذي يصنعه غالبية الخطاطين من السخام والصمغ العربي والبعض، وأحيانا العسل لمنعه من الفساد، فهيمن عليه روح السيميائيين في القرون الوسطى، وبذلك يخرج الحرف العربي اسوداً فاصً، فيه اثار كثافة المواد حيناً، وخفته حيناً أخر، واثار القصبة في سيرها على سطح الورق، والخط في كل ذلك فن يرتكز على بعده الشييء كغيره من الفنون تضاف له الصنعة التي يحرص الخطاطون على إتقانها والتي تتمثل (بضبط) أشكال حروف كل خط وقياساتها التي ترتكز على النقطة، وهي شكل معيني يكتب برأس القصبة التي يخط بها النص، وتعتبر الدرس الأول في الخط  العربي لأنها (مقياس الرسم) فيه، او هي (الوحدة الصغرى) في تشريح (Anatomy) حروفه في أخر مراحل تطوره، ولكل حرف قياس في كل نمط من الخط يختلف عن قياسه في نمط أخر من الخط، فالألف يتراوح قياسه بين ثلاث نقاط في الخطين : الفارسي والرقعة وسبع نقاط في خط الثلث، كما تتعدد أشكال العديد من الحروف داخل كل نوع من الخط أيضا، فالخط العربي ينطوي على عشرات الأشكال لكل حرف ففي خط الثلث فقط يمكن ان نجد لحرف العين مثلاً عدداً كبيراً من الأشكال منها : المسبلة والمجموعة والمخطوفة والمحيرة التي بهدها نصف صعود والتي بعدها تعلية والصادية والصادية المركبة وفك الاسد والمربعة والمسلسلة والمطموسة وما يخرج من امتزاج هذه الصفات ببعضها… ومما يجدر الإشارة  إليه ان تنوع أشكال الحروف يحدث في أنواع الخط المستخدمة لانجاز اللوحات الفنية كخط الثلث أكثر من الخطوط المستخدمة للكتابة العادية كالرقعة والديواني وكانا يستخدمان لكتابة دواوين الدولة العثمانية. حيث تقل أشكال الحرف الواحد الى أدنى حد كون ذلك الخط يستخدم الخط للكتابة (=التدوين) وليس للخط كفن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *