منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وجدت الجمهورية الإسلامية في إيران نفسها في مواجهة استراتيجية مفتوحة مع منظومة الهيمنة الغربية، ومع أدواتها الإعلامية والسياسية في المنطقة. لم يكن موقف الإمام الخميني (رضوان الله عليه) بإعلان أن “إيران لا شرقية ولا غربية” مجرد شعار سياسي، بل كان إعلانًا صريحًا عن ولادة نموذج جديد في المنطقة، يسعى إلى الاستقلال الحضاري والقرار السيادي، بعيدًا عن تبعية المعسكرين المتصارعين آنذاك: الرأسمالي بقيادة أمريكا، والشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي.
منذ ذلك الحين، بدأت حملة ممنهجة لشيطنة إيران، وتكريس صورتها كخطر محدق على “العالم العربي”، بديلًا عن العدو الحقيقي للأمة، وهو الكيان الصهيوني. تصدر هذه الحملة عدد من الإعلاميين المعروفين بخطابهم التهييجي والطائفي، وعلى رأسهم الإعلامي فيصل القاسم، الذي كرّس منبره في فضائية الجزيرة للنيل من إيران بوصفها “دولة ملالي”، وتصويرها على أنها كيان متخلف بلا فهم سياسي أو إنساني.
هذا الخطاب التحقيري لم يكن بريئًا ولا عابرًا، بل ساهم بفعالية في تسطيح وعي الجمهور العربي، وصرف انتباهه عن القضايا المركزية، وعلى رأسها فلسطين، وتغذية الانقسام الطائفي بين مكونات الأمة. أما المثقفون الأحرار، وأصحاب الرأي الحر، فلم يكونوا بمنأى عن الاستهداف، فتم التعتيم على أصواتهم، وملاحقتهم، بل اغتيال بعضهم، كما حدث مع الناشط نزار بنات وغيره من الأصوات المستقلة.
رغم كل الضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية، استطاعت الجمهورية الإسلامية أن تحافظ على توازنها الداخلي واستقلال قرارها، بل وتحولت إلى نموذج لدولة مقاومة، تبني قدراتها الذاتية دون الارتهان للمساعدات الأجنبية أو الصفقات المشروطة. فعلى مدى خمسة عقود، ورغم الحصار والعقوبات والحروب والاغتيالات، طورت إيران منظومتها الدفاعية والعلمية والتكنولوجية، وأسهم علماؤها في شتى مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية.
لقد اختارت إيران أن تكون في صف المستضعفين، فدعمت حركات التحرر الوطني في فلسطين ولبنان واليمن، ووقفت إلى جانب الشعوب التي تناضل للخلاص من الاستعمار والتبعية. وعلى عكس ما يُروج في الخطاب الإعلامي المعادي، لم تكن طهران قوة توسعية، بل قوة دفاعية تُدافع عن رؤيتها للعالم، القائمة على العدالة والاستقلال والكرامة.
لم تكتفِ إيران بإعادة الاعتبار لذاتها كأمة مستقلة، بل أعادت الاعتبار للهوية الشيعية في بعدها العالمي، لا بوصفها طائفة مغلقة، بل كامتداد إنساني وفكري للمقاومة ضد الظلم، مستلهم من مدرسة علي بن أبي طالب (عليه السلام). فقد أعاد الإمام الخميني ــ بتجربته السياسية والروحية ــ رسم صورة الشيعة في الوعي العالمي، من أقلية مهمشة إلى فاعل تاريخي يحسب له ألف حساب.
إن من ينتمي لمدرسة أهل البيت اليوم، لا يمكن أن ينظر إلى الجمهورية الإسلامية إلا بوصفها السد المنيع، والراية التي رفعت صوت المستضعفين، وأعادت للأمة الإسلامية بعضًا من كرامتها المهدورة. فكل خطوة تخطوها إيران في مواجهة الاستكبار، هي خطوة نيابة عن كل حرّ عربي ومسلم يرفض الخضوع والهوان.
لقد آن الأوان أن يعيد العرب، وخصوصًا المثقفين منهم، النظر في السرديات التي صاغتها أجهزة الإعلام الموجهة، وأن يتحرروا من أسر الكراهية المصطنعة التي صوّرت إيران خطرًا، بينما الكيان الصهيوني يُمضي عقودًا في قضم الأرض وتهويد التاريخ. فإيران اليوم، بشبابها، وعلمائها، وحرسها، ومقاومتها، تمثل ثقلاً حقيقيًا في ميزان الأمة، ورافعة لمن أراد الكرامة بدل الخنوع.
ومن الله النصر والسداد.

