في البلدان التي تهيمن فيها قوى موالية لإسرائيل على مفاصل السلطة والقرار، تتحوّل أجواؤها ومقدّراتها إلى أدوات تُسخّر لخدمة الكيان الصهيوني، بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا الواقع لا يحتاج إلى دليل أكثر من تتبّع مواقف تلك الحكومات وسلوكها الميداني في التعامل مع القضايا الإقليمية، وخاصة ما يتعلق بفلسطين والمقاومة.
ورغم ذلك، تبقى هناك استثناءات. فبعض القوى الوطنية الصادقة، التي تمثل خط المقاومة، لا تزال صامدة، وإن كانت تمثل أقلية في مواقع القرار. هي من تُحاول أن تحفظ ما تبقى من الكرامة والسيادة، وتدفع ثمن مواقفها بشتى أنواع الحصار والتشويه.
العراق كنموذج صارخ
حين تُفتح أجواء العراق، الدولة المجاورة لإيران والتي كانت ومازالت سندًا للمقاومة، أمام الطائرات الإسرائيلية أو تتحول إلى ساحة آمنة للأنشطة المعادية للمقاومة، فإن الأمر لا يمكن تفسيره إلا من خلال حقيقتين واضحتين:
أولًا: هيمنة أنصار إسرائيل على القرار
ما يحدث لا يعكس فقط تراجع دور قوى المقاومة، بل يكشف بشكل واضح أن قرار الدولة العراقية بات مرتهنًا لمن يرتبطون بالمشروع الإسرائيلي، ولو من بوابة المصالح الأمريكية أو المواقف الغربية. الهيمنة هنا ليست شعارات، بل واقع يترجمه السلوك الرسمي والتخاذل الفعلي أمام الانتهاكات الإسرائيلية في الإقليم.
ثانيًا: سقوط كذبة الهيمنة الإيرانية
لطالما رُوّج لخطاب يقول إن إيران وفصائل المقاومة هي من تهيمن على القرار في العراق. هذا الادعاء الذي رُدّد كثيرًا من قبل المنافقين والخَبَثاء، وصدّقه بعض البسطاء، يتهاوى أمام ما يحدث على الأرض اليوم. فلو كانت تلك الهيمنة حقيقية، فهل كانت الأجواء العراقية لتتحوّل إلى ممر آمن للطائرات الإسرائيلية؟ وهل كانت عمليات التطبيع والتنسيق الأمني مع العدو لتُمرّر بهذا الهدوء؟
معركة بين مشروعين
ما يجري في العراق ليس مجرد صراع نفوذ داخلي كما يُروّج البعض، بل هو معركة مصيرية بين مشروعين لا يلتقيان:
مشروع مقاومة يرفض التبعية ويحمل رؤية وطنية ترتكز على استقلال القرار ودعم قضايا الأمة.
ومشروع تبعية يتماهى مع مخططات أعداء الأمة، ويعمل على تصفية ما تبقى من أصوات حرّة باسم الواقعية أو المصالح.
كلمة أخيرة … القراءة الصحيحة للوقائع تفرض على كل صاحب ضمير أن يُعيد النظر في مواقفه، وأن يُميّز بين من يضحّي من أجل الوطن، ومن يبيعه بأبخس الأثمان. لقد آن الأوان لكشف الأقنعة ومواجهة الحقيقة: من يملك القرار في العراق اليوم؟ ومن يخدم فعليًا مصلحة إسرائيل؟ ومن يقف في خندق الدفاع عن الأمة؟ الجواب لم يعد صعبًا، بل أصبح واضحًا لكل من يرى ويُحسن القراءة.


