ترامب ومجلسه الجديد: ارتدادات القوة وبداية تشقّق القطب الأوحد

ترامب ومجلسه الجديد ارتدادات القوة وبداية تشقّق القطب الأوحد
يعرض التحليل تحوّل السياسة الأميركية نحو إدارة صلبة تقوم على دوائر ضيقة ومنطق الصفقات، بما يكشف تآكل الهيمنة الأحادية وبروز عالم متعدد المراكز غير مستقر، حيث تُدار الأزمات بدل صنع النظام، وتغدو الدول الهشّة ساحات اختبار....

مع انتهاء السنة الأولى من ولاية دونالد ترامب، لم يعد الجدل يدور حول شخص الرئيس أو أسلوبه الصدامي، بل حول البنية الجديدة التي يعيد من خلالها صياغة القرار الأميركي. فالأحداث المتسارعة لم تكن انفجارات عشوائية، بل مؤشرات على انتقال مدروس من نمط القيادة التقليدية إلى إدارة صلبة تقوم على دوائر ضيقة من النفوذ والقرار.

أولًا: المجلس الذي شكّله ترامب… دولة داخل الدولة

المجلس الذي اعتمد عليه ترامب (سواء بصيغته الأمنية – الاقتصادية أو عبر المستشارين ذوي الخلفية العسكرية والمالية) لم يكن مجرد فريق عمل، بل غرفة قيادة موازية تجاوزت في كثير من الأحيان المؤسسات الكلاسيكية للدولة الأميركية:

تقليص دور الخارجية لصالح الأمن القومي.

تغليب المقاربة التجارية – العقابية في العلاقات الدولية.

إدارة الملفات الكبرى بعقلية “الصفقة” لا “التحالف”.

هذا النمط يعكس تحوّلًا خطيرًا: أمريكا لم تعد تقود النظام الدولي، بل تفاوضه من موقع القوة القلقة.

ثانيًا: من الاستقرار المُدار إلى الفوضى المحسوبة

ما يجري في العالم منذ السنة الأولى لترامب يؤكد أننا لسنا أمام سياسة أخطاء، بل استراتيجية ضغط قصوى تهدف إلى:

إعادة ترتيب التحالفات بالقوة.

إجبار الخصوم والحلفاء معًا على إعادة التموضع.

اختبار قدرة الدول، لا سيما الهشّة منها، على الصمود.

ولهذا كانت منطقتنا في قلب العاصفة؛ لأنها تمثل نقطة التقاء الطاقة، الجغرافيا، والصراع العقائدي، فضلًا عن كونها الساحة الأسهل لإرسال الرسائل الدولية بأقل كلفة مباشرة.

ثالثًا: هل نحن أمام نهاية القطب الأوحد؟

الجواب الدقيق: نحن أمام بداية النهاية، لا نهايتها.

القطب الأوحد لا يسقط دفعة واحدة، بل يتآكل عبر ثلاث مراحل:

فقدان القدرة على الضبط الكامل (وهو ما نراه اليوم).

صعود أقطاب موازنة (الصين، روسيا، ومحاور إقليمية).

تحوّل القيادة إلى إدارة أزمات بدل صنع نظام.

ترامب، paradoxically، لم يُنقذ الهيمنة الأميركية، بل كشف هشاشتها؛ فحين تلجأ القوة العظمى إلى التهديد الدائم، فهذا يعني أن قدرتها على الإقناع قد تراجعت.

رابعًا: عالم ما بعد ترامب… ماذا يتشكّل؟

السنوات الثلاث المقبلة مرشحة لـ:

تصعيد اقتصادي عالمي (حروب عملات، سلاسل إمداد).

صراعات بالوكالة بدل الحروب الشاملة.

تحالفات مؤقتة، بلا التزام أخلاقي أو استراتيجي طويل.

إنه عالم متعدد مراكز النفوذ، لكنه غير مستقر، حيث لا توجد قوة قادرة على فرض نظام شامل، ولا منظومة قيم قادرة على ضبط الصراع.

خامسًا: أين تقف دول المنطقة؟

الدول التي ستنجو ليست الأقوى عسكريًا، بل:

الأقدر على بناء قرار سيادي متوازن.

الأكثر وعيًا بأن الانحياز الأعمى أصبح خطرًا وجوديًا.

التي تستثمر في الداخل: الاقتصاد، المجتمع، والشرعية.

أما الدول الهشّة، فستكون ساحات اختبار قبل أن تصل الارتدادات إلى الدول المستقرة.

خلاصة

ما نشهده ليس صعود ترامب بقدر ما هو أفول مرحلة كاملة من النظام الدولي.

القطب الأوحد لم يعد شرطي العالم، بل أحد لاعبيه الكبار، وغالبًا الأكثر توترًا.

نحن أمام لحظة تاريخية فاصلة:

إما وعي استراتيجي يعيد تعريف المصالح بعيدًا عن التبعية،

أو انجراف في فوضى يدفع ثمنها الضعفاء أولًا… ثم الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *