تعد هيئة الرأي في مؤسسة السجناء السياسيين إحدى أهم الأدوات التي تعزز سلامة القرارات وتحمي المؤسسة من الانحرافات الشخصية أو التأثيرات السياسية. فهي الجهة التي يضبط عملها القانون، ويقوم على أساس الخبرة والاختصاص، لا على العاطفة أو الهوى أو الضغط الخارجي. ومن خلال الدور الذي تنهض به هذه الهيئة تتضح قيمة العمل المؤسسي القائم على المشورة الفنية المحايدة، والذي يرفع من شأن المؤسسة ويحافظ على هيبتها ومصداقيتها.
تضطلع هيئة الرأي بمهمة فحص الملفات المرتبطة بالسجناء والمعتقلين السياسيين، وتدقيق الأدلة، ومراجعة القرائن، وقراءة الوقائع بجهد علمي يستمد أصوله من النصوص القانونية وأحكام التعريفات المشرعة. وعندما ترفع الهيئة توصياتها إلى الجهات المعنية داخل المؤسسة، فإنها تتحرى الدقة في كل كلمة، وتتأكد من أن الرأي الصادر هو رأي مهني بحت، قائم على الفقه بالقانون والخبرة بحالاته وتطبيقاته، بعيد كل البعد عن اعتبارات الشخصية أو الانتماء أو المنافع أو الضغوط.
ويجب على الجهة التي تُرفع إليها توصيات الهيئة أن تستشعر مسؤولية التكليف الملقى على عاتقها، فهذه الآراء ليست وجهات نظر عابرة، بل تمثل خلاصة الفحص القانوني والإداري لموضوعات حساسة تمس حقوق الأفراد وكرامتهم ووضعهم القانوني. ومن هنا تصبح مهمة الجهة المستلمة للتوصيات مضاعفة، إذ ينبغي لها أن تتبين وتتيقن من أن ما استلمته هو جهد فني خالص، وأن تتعامل معه على هذا الأساس، محافظـةً على جوهر التكليف ومقصده، وفاءً لواجبها تجاه القانون والمؤسسة والمجتمع.
أما الانحراف عن مضمون التوصيات، أو تحريفها، أو تجاوز ما جاء فيها بغير مقتضى قانوني، فإنه يُعد إخلالاً خطيراً بمبدأ المصداقية، ويضع المسؤول تحت طائلة الإثم المهني والأمانة الأخلاقية.
فالتحريف لا يضر صاحب الملف وحده، بل يصيب المؤسسة كلها بضرر يمس سمعتها ويفقد ثقة الجمهور بعملها. لذلك فإن صيانة النصوص كما وردت، واحترام الجهد الذي تبذله هيئة الرأي، يمثلان جزءاً من حماية المؤسسة لنفسها، ومن واجب القائمين على الملف أن يدركوا أن مسؤولياتهم ليست شكلية، بل محكومة بضوابط العدالة وحرمة الحقوق.
إن مصداقية التكليف تقف على قدرتنا في احترام طبيعة المؤسسية والحياد، وعدم السماح للعوامل العارضة أن تتسلل إلى مسار القرار. وهيئة الرأي حين تبذل جهدها، فإنما تضع أمام متخذ القرار لوحة واضحة يسترشد بها، لا ليفرض قناعاته عليها، بل ليضمن أن القرار النهائي هو امتداد للحق، وليس انعكاساً لشخص أو جهة أو رغبة.
إن تكامل الدور بين هيئة الرأي والجهة المعنية يستمر ما دامت الحقيقة هي الهدف، والعدل هو الميزان، والحقوق هي الغاية. وحين تعمل كل جهة ضمن حدود اختصاصها، ملتزمة بمسؤوليتها أمام الله والقانون والمجتمع، فإن المؤسسة تحفظ قيمتها، وتنتصر لرسالتها، وتبقى نموذجاً للنزاهة في زمن تتعرض فيه المؤسسات للكثير من الاهتزاز والريبة.
وبذلك تتحقق مصداقية التكليف، وينعدم إثم التحريف، وتبقى مؤسسة السجناء السياسيين وفيّة لتاريخها ورسالتها، وحارسة لحقوق من دفعوا أثماناً كبيرة في سبيل الحرية والكرامة.


