الخليج وإيران بين الصداقة الحذِرة والعداوة الضرورية

الخليج وإيران بين الصداقة الحذِرة والعداوة الضرورية
ينطلق الموقف الخليجي من براغماتية أمنية ترى أن بقاء إيران ضعيفة ومحاصَرة أقل كلفة من انهيارها الفوضوي، لما يحمله ذلك من مخاطر التفكك وانتشار السلاح وتهديد استقرار الخليج والمنطقة بأكملها...

في خطواتٍ جدّية ومتسارعة سعت كلٌّ من المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان ودولة قطر إلى احتواء التصعيد المتزايد بين الولايات المتحدة وإيران والعمل على إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتراجع عن تنفيذ تهديداته بشن ضربة عسكرية ضد طهران.

وجاء هذا الحراك الخليجي في ظل اضطرابات داخلية شهدتها عدة مدن إيرانية نتيجة التدهور الاقتصادي الحاد وانهيار العملة الإيرانية وما رافق ذلك من مظاهرات شعبية واسعة.

وبعد سلسلة من التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران وفي اللحظات الأخيرة تراجع ترامب عن قراره بشن الضربة مبرّرًا ذلك بتلقيه معلومات تفيد بتوقف إيران عن قتل أو إعدام المتظاهرين وكذلك الحد من ملاحقة الجهات التي يُشتبه بدعمها للاحتجاجات من الخارج.

غير أن العامل الحاسم في هذا التراجع لم يكن إنسانيًا بحتًا بل جاء نتيجة ضغط خليجي عالي المستوى أدرك مبكرًا خطورة انهيار إيران على أمن واستقرار المنطقة بأسرها.

*الموقف الخليجي دروس العراق ومخاوف المستقبل

بعد مساهمة دول الخليج في دعم الولايات المتحدة ودول التحالف خلال إسقاط النظام العراقي عام 2003 وتقديم تسهيلات عسكرية ولوجستية كبيرة تفاجأت تلك الدول بنتائج اختلال الميزان الأمني والسياسي في الشرق الأوسط.

وقد أفرز ذلك التدخل فوضى إقليمية لا تزال دول الخليج تدفع ثمنها حتى اليوم سواء على مستوى الأمن أو النفوذ أو الاستقرار السياسي.

ومن هذا المنطلق ترى دول الخليج أن سقوط النظام الإيراني  إن حدث بشكل مفاجئ وفوضوي  سيكون أكثر خطورة وأشد وقعًا من الحالة العراقية للأسباب الآتية:

  • تشظّي الدولة الإيرانية إلى كيانات متعددة قد يصل عددها إلى سبع دويلات متناحرة وهو سيناريو لا تمتلك دول الخليج القدرة على التعامل معه أمنيًا أو سياسيًا على المدى المتوسط والبعيد.
  • انفلات الترسانة الصاروخية والطائرات المسيّرة وما تمثله من تهديد مباشر وخطير لدول الخليج ودول الجوار في حال غياب سلطة مركزية قادرة على ضبطها.

*معادلة الخوف من البديل

حين تصبح الخصومة ضمانة للاستقرار

  • إن تغيير النظام في إيران لا يعني بالضرورة ولادة واقع أفضل لدول الخليج بل قد يفضي إلى مجيء نظام جديد موالٍ بالكامل للولايات المتحدة وإسرائيل وهو ما يضع دول الخليج في موقع سياسي حساس خاصة وأنها ترى نفسها الحليف الأقرب والأكثر موثوقية لواشنطن في المنطقة.
  • كما أن النظام الإيراني رغم شيطنته إعلاميًا من قبل خصومه بوصفه نظامًا دينيًا متشددًا ومصدرًا للثورات والاضطرابات ومحور من محاور الشر يبقى من وجهة النظر الخليجية خصمًا يمكن احتواؤه لا فوضى مفتوحة لا يمكن السيطرة عليها.
  • ويُضاف إلى ذلك وجود جالية إيرانية كبيرة في دول الخليج ذات تأثير اقتصادي واضح وتسيطر على قطاعات مهمة في التجارة والأسواق ما يجعل أي انهيار داخلي إيراني عامل اضطراب مباشر داخل المجتمعات الخليجية نفسها.
  • كما ترى بعض الدوائر الخليجية أن بقاء المرجعية الدينية الشيعية ذات الارتباط الإيراني يسهّل ضبط امتداداتها السياسية مقارنةً بعودة مرجعيات بديلة قد تكون أكثر قدرة على التمدد والتأثير الإقليمي.

*الاستنتاجات

 العدو المُنهك أفضل من الحليف القوي

  • من منظور استراتيجي بحت ترى دول الخليج أن التعامل مع نظام إيراني محاصر ضعيف اقتصاديًا محدود القدرات العسكرية ومنبوذ دوليًا يبقى أقل كلفة وخطورة من مواجهة نظام جديد قوي يمتلك جيشًا حديثًا ومدعومًا بالكامل من الولايات المتحدة وأوروبا.
  • كما أن أي حرب جديدة ستجعل دول الخليج ضمن نطاق الصواريخ الإيرانية القصيرة والمتوسطة المدى وهو ما يشكل تهديدًا بالغ الخطورة على البنية التحتية والمنشآت الحيوية لتلك الدول.
  • ولا يمكن إغفال أن إسرائيل نفسها ليست في وضع أكثر أمانًا من دول الخليج بل قد تكون الحلقة الأكثر هشاشة في حال اندلاع مواجهة إقليمية شاملة.

*المفارقة الخليجية

هكذا تتشكل المعادلة الخليجية المعقّدة

إيران ليست صديقًا مقربًا لكنها أيضًا ليست عدوًا يجب إسقاطه بأي ثمن.

بل هي خصم ينبغي إبقاؤه تحت السيطرة لا فتح أبواب المجهول بسقوطه.

*ويبقى السؤال مفتوحًا؟

هل أُلغيت الضربة فعلًا أم جرى تأجيلها إلى حين انهيار النظام من الداخل كما تدّعي بعض الدوائر الأمريكية؟

خاتمة

في المحصلة لا يمكن قراءة الموقف الخليجي من إيران خارج إطار البراغماتية الأمنية وتراكم الخبرات القاسية في الإقليم. فالخليج الذي اختبر نتائج إسقاط الأنظمة بالقوة في العراق و سورية  بات أكثر حذرًا من الانجرار وراء مغامرات كبرى لا يمكن التحكم بمآلاتها. إن بقاء إيران ضعيفة محاصَرة ومضبوطة السلوك يظل  رغم كل التوترات يعد خيارًا أقل كلفة من انهيار شامل يفتح المجال للفوضى وتعدد مراكز القوة وانفلات السلاح وسباق نفوذ دولي لا يراعي استقرار المنطقة.

وعليه فإن السياسة الخليجية تجاه إيران لا تنطلق من منطق الصداقة ولا من وهم التعايش المثالي بل من إدارة الخصومة وتقليص مخاطرها وتجميد الصراع عند حدود يمكن السيطرة عليها. إنها سياسة تقوم على منع الانفجار الكبير حتى وإن تطلب ذلك القبول بواقع غير مريح.

أما الضربة الأمريكية سواء أُلغيت أم أُجّلت فإنها تظل ورقة ضغط أكثر منها قرارًا نهائيًا. فالولايات المتحدة كما الخليج تدرك أن إسقاط النظام الإيراني ليس نهاية الأزمة بل قد يكون بدايتها الحقيقية. ومن هنا يبقى الرهان الأكبر ليس على الحرب بل على الزمن والضغط المتدرج واستنزاف الداخل في انتظار لحظة تغيير أقل فوضوية إن جاءت أصلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *