تأتي رواية للحُبّ مسيرة في 114 صفحة لتقدّم نموذجاً أدبياً يمزج بين التاريخ والذاكرة والواقع المعاصر، عبر سردية تتخذ من زيارة الأربعين فضاءً روحياً وسياقاً فنياً لربط زمنين: زمن الطف وما تلاه من رحلة السبي، وزمن الزائرين المعاصرين في طريق البصرة نحو كربلاء سنة 2015. هذا المزج بين الزمنين يمنح الرواية خصوصية في طريقة استحضار واقعة الطف، بعيداً عن الطرح التسجيلي أو إعادة السرد التقليدي، ليصوغ الكاتب بدلاً من ذلك نصاً روائياً ينبض بالحياة، يقوم على المقارنة والتفاعل ومراكمة المعنى.
الشخصية الرئيسة، وهو أحد المشاة نحو كربلاء، تؤدي دور الراوي الذي يحكي لحفيده وقائع المسيرة الخالدة من البصرة إلى كربلاء، ومن هذه النقطة يبدأ الكاتب في نسج بناء روائي يعتمد التداخل الزمني، حيث تتقاطع مشاهد حديثة عاشها الراوي مع أحداث تاريخية من القرن الأول الهجري، بكل ما فيها من وجع ورمزية وصمود. هذا التداخل ليس مجرد تقنية، بل هو جزء من رسالة الرواية التي تؤكد أن مسيرة العشق الحسيني ليست حدثاً من الماضي، بل نداء دائم يتجدد في كل جيل.
الفهرست الذي يقدّمه المؤلف يمنح القارئ خريطة واضحة للحركة الزمنية والجغرافية: من طريق البصرة المعاصر، إلى كربلاء يوم 11 محرم سنة 61 هـ، ثم إلى الكوفة وقصر الإمارة، فانتفاضة ابن عفيف، وصولاً إلى رحيل السبايا نحو الشام، ومنها إلى مجلس يزيد، ثم العودة إلى كربلاء في يوم الأربعين، مع حضور بارز لمذكرات شخصيات تاريخية مثل سهل بن سعد الأنصاري وعطية بن سعد العوفي. هذا التنويع في الأصوات والوثائق يثري بنية الرواية ويمنحها ملمحاً توثيقياً دون أن يتخلى النص عن روحيته الفنيّة.
أحد مكامن قوة الرواية هو قدرتها على إدراج الذاكرة العراقية الحديثة ضمن سياق المسيرة التاريخية، لا بوصفها مقارنة سطحية، بل باعتبارها امتداداً لصراع الحق مع الاستبداد. يظهر هذا بوضوح حين يستعيد الراوي أحداث انتفاضة صفر في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وما واجهه الشباب والرموز الدينية من اعتقالات وإعدامات ومطاردات. يعرض الكاتب هذه الحوادث على لسان الراوي الذي عاش زمن النظام السابق، فيربط بين محنة السبايا في القرن الأول ومحنة المؤمنين في القرن العشرين، وكأن التاريخ يعيد صرخته كلما حاول الظلم طمسها. هذا الربط يمنح الرواية عمقاً إنسانياً وسياسياً، ويؤكد أن المسيرة الحسينية ليست طقساً بل موقفاً.
كما تستعرض الرواية التحولات الكبيرة التي مرّت بها زيارة الأربعين قبل عام 2003 وما بعدها، مبيّنةً حجم المضايقات والقمع الذي كان يواجه الزائرين سابقاً، مقابل الانفتاح والانسيابية والشعور بالحرية الذي صار يصاحب هذه الزيارة اليوم. هذا التباين يبرزه الكاتب ليؤكد أن المسيرة الحسينية بقيت حيّة رغم كل ما حاول الطغاة فرضه عبر عقود طويلة.
وتتوقف الرواية عند محطات مؤثرة مثل لقاء الراهب بالرأس الشريف، والدخول على يزيد، ورعب الطريق من دمشق إلى كربلاء، والعودة المهيبة في يوم العشرين من صفر، وكلها تأتي ضمن سرد متوازن يجمع بين الوثائقي والوجداني، وبين دقة النقل التاريخي ونبض التخييل الفني.
على مستوى اللغة، يميل النص إلى السلاسة والوضوح، مع لمسات وجدانية تعكس عمق التجربة الشعائرية. وقد نجح الكاتب في تحويل المعلومات التاريخية –على كثرتها وشيوعها– إلى مادة روائية غير مكرورة، عبر إحراج فني يمنحها طزاجة ووقعاً جديداً في ذهن القارئ.
في المحصلة، للحُبّ مسيرة ليست رواية تاريخية فحسب، ولا هي مجرّد سرد لرحلة الأربعين، بل هي نصّ يحاول أن يبرهن أن العشق الحسيني أكبر من حدود الزمن والجغرافيا. إنها قراءة في الوعي الجمعي لجيل عاش القمع، وفي الوقت نفسه شهادة على تحوّل قصة الطف إلى مدرسة تتجدد في كل عصر، تحثّ على الحرية والكرامة والثبات على المبدأ.
رواية تمنح الماضي صوتاً جديداً، وتمنح الحاضر جذوراً تمتد إلى الدمعة الأولى في كربلاء.


