في خضم المشاعر المتأججة والرؤى المتصارعة حول إيران ودورها الإقليمي يغفل الكثيرون وخاصة أولئك الذين يتصورون أن سقوط النظام الإيراني الحالي هو نصر استراتيجي لهم عن حقيقة جيوسياسية خطيرة وكارثية في أبعادها الحقيقية فالعيون المتشبعة بالكراهية القومية أو المذهبية ترى فقط الجانب الذي يسيء إليها مباشرة وتعمى عن المخطط الأكبر الذي يتشكل في الإقليم. إن افتراض سقوط الجمهورية الاسلامية في إيران لاسامح الله في الواقع الراهن ليس بوابة للتحرر بل هو مدخل لأحادية القوة الصهيونية التي طالما حلمت بزوال آخر منافس جاد يقف في وجه هيمنتها المطلقة على قلب العالم.
إن إيران وبغض النظر عن كل الخلافات السياسية والعقائدية معها تشكل حالياً قطباً أساسياً في معادلة الردع الإستراتيجي ضد إسرائيل فهي تمتلك مشروعاً مقاوماً يمتد من عمقها إلى حدود فلسطين وهو ما يجعل إسرائيل رغم تفوقها العسكري التكنولوجي محاصرة في حساباتها الأمنية غير قادرة على التحرك بحرية مطلقة. وإذا ما زال هذا القطب فجأة فإن الفراغ الذي سينشأ لن تملأه قوى عربية مفككة أو دول إسلامية مشغولة بصراعاتها الداخلية بل ستملؤه إسرائيل وقواتها وحلفاؤها دون أي كابح حقيقي. عندها لن تكون طهران هي الهدف بل ستتحول الأنظار إلى تركيا الدولة الإسلامية الكبرى المتبقية فتُحاصر وتُضعف وتُخضع باكستان لمشيئتها وتصبح السيطرة على منابع الطاقة وشبكات نقلها حلماً يتحقق بسهولة.
وستجد إسرائيل نفسها دون منازع قادرة على التحكم في شرايين الحياة الاقتصادية للعالم العربي والإسلامي. فمضيق هرمز البوابة الحيوية لنفط الخليج وباب المندب الممر الاستراتيجي إلى البحر الأحمر وقناة السويس سيكونان تحت المراقبة والقدرة على التهديد المباشر لأي قوة ترغب في عبورهما عندها سيتحول النفط العربي من نعمة إلى نقمة وأداة للابتزاز والذل حيث ستتحكم إسرائيل في مصيره وتوجهه وفقاً لمصالحها وحساباتها. ولن تكون السيادة العربية بعد ذلك سوى كلمة تقال في المؤتمرات بينما القرار الفعلي لمصير الشعوب وثرواتها سيكون في تل أبيب وواشنطن.
إن الذين يرقصون اليوم على نغمات الانهيار الإيراني المحتمل لا يدركون أنهم يحفرون بيدهم قبر كرامتهم واستقلالهم القادم. إنهم يضحون بالحارس الأخير على باب البيت طمعاً في شماعة داخل الغرفة ليكتشفوا لاحقاً أن اللصوص قد دخلوا واستباحوا كل شيء. التاريخ لا يرحم الذين يضعون أحقادهم القريبة فوق مصالحهم الاستراتيجية البعيدة. وسيأتي اليوم الذي سيندم فيه العرب وقد أضاعوا آخر حاجز يقف بينهم وبين الخضوع الكامل حيث تتحول دولهم إلى دويلات ضعيفة ومنقسمة ومواردهم إلى غنيمة في أيدي القوى المهيمنة. إن الصراع ليس مع إيران كمذهب أو عرق بل مع رؤية لمستقبل الإقليم إما نظام متعدد الأقطاب يحفظ حداً أدنى من التوازن والكرامة للجميع أو نظام أحادي القطب تهيمن عليه إسرائيل وتُدفع فيه الأمة كلها إلى ذل لم تعرفه من قبل.
السقوط القادم ليس سقوط نظام في طهران بل هو سقوط مشروع الأمة بأسرها في الحرية والكرامة والسيادة.


