منذ عام (٢٠٠٣)، تعاقبت على المنصب التنفيذي الأهم في الدولة العراقية أسماء كثيرة، بعضها جاء تحت ضغط الخارج، وبعضها نتاج تسويات هشة، وبعضها الآخر كان مجرد مرحلة عبور لا أكثر ..
غير أن القراءة المتأنية لمسار الدولة، بأزماتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، تفضي إلى نتيجة واضحة لا تقبل المجاملة:
السيد نوري المالكي حالة سياسية لا تُـقارن، ورجل مرحلة بامتياز .. ليس لأن السيد المالكي كان رئيس وزراء فحسب، بل لأنه السياسي الوحيد الذي:
١- تعامل مع الدولة بوصفها مشروعاً سيادياً لا وظيفة مؤقتة.
٢- تعامل مع السلطة بوصفها أداة لبناء القرار الوطني لا منصة لإرضاء الخصوم أو الخارج ..
صرامة الدولة لا ترف المجاملة
المرحلة القادمة، بخطورتها “المركّـبة”، لا تحتمل الوجوه الرمادية ولا الخطاب المائع .. أربع سنوات قادمة ستكون مفصلية في تقرير مصير الدولة العراقية، في ظل:
١- صراع إقليمي محتدم.
٢- تحولات دولية عميقة.
٣- حرب إرادات ناعمة وخشنة على القرار العراقي.
٤- محاولات إعادة إنتاج الفوضى تحت عناوين براقة.
٥- ………….
هذه المرحلة تحتاج صرامة السيد المالكي، لا لين المترددين .. تحتاج رجلاً يعرف متى يقول “نعم” للدولة، ومتى يقول “لا” للجميع .. السيد المالكي لم يكن يوماً رجل تسويات على حساب السيادة، ولم يكن ابن اللحظة، بل ابن القرار الصعب .. ومَـن لا يحتمل القرار الصعب، لا يصلح لقيادة دولة.
الرؤية حيث يفشل الآخرون
ما يميّـز السيد نوري المالكي عن سواه ليس التجربة وحدها، بل الرؤية ..قدرة عالية على استشراف المستقبل القريب، لا من باب التنجيم السياسي، بل من قراءة معمقة لتوازنات الداخل والخارج، ومعرفة دقيقة بمفاصل الدولة ومكامن الخلل فيها ..كثيرون حكموا، وقليلون فهموا ما يحكمون ..وكثيرون ترشحوا، ولم يدركوا أصلاً معنى أن تكون رئيساً لحكومة في بلد مثل العراق.
المرجعية الدينية المُـباركة حكمة فوق الصخب
بمنتهى الحماقة السياسية، بعثت بعض أطراف الطبقة السياسية برسائل إلى المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، تطلب منها -بطريقة غير مباشرة– “فيتو” يرفض السيد نوري المالكي .. وهنا تجلّـت الحكمة الحقيقية ..
المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، التي تفوق الجميع فهماً ووعياً وبعد نظر، رفضت أن تكون طرفاً في لعبة الفيتوات، وارتفعت فوق الضجيج، وتركت خيار تحديد اسم رئيس الحكومة للطبقة السياسية، دون إشارة رفض، ولا تلميح فيتو، ولا موقف سلبي تجاه السيد المالكي .. هذا الموقف لم يكن حياداً سلبياً، بل حكمة دولة .. ومَـن لا يفهم حكمة المرجعية، فلن يفهم معنى الدولة أصلاً.
صبية السياسة زمن الصمت لا الثرثرة
في مرحلة كهذه، على صبية السياسة أن يضعوا في أفواههم حجراً .. الوقت ليس وقت مزايدات، ولا تسقيط، ولا تصفية حسابات شخصية .. أما “البوقچية” في وسائل الإعلام، إن صعدوا أو نزلوا، فهم خارج معادلة التأثير، أقل من أن يُـحسبوا رقماً، وأصغر من أن يُـؤخذ برأيهم .. الدول لا تُـدار بالضجيج، بل بالقرار .. ولا تُـبنى بالعواطف، بل بالصرامة. وإلى السيد نوري المالكي: خذ الكتاب بقوة، كما أخذته من قبل .. لا تأخذك في الله ولا في الدولة ولا في العراق لومة لائم .. فالمرحلة لا ترحم، والتاريخ لا يجامِـل، والدولة لا يحميها إلا الأقوياء.


