بين طهران وبكين، لا يقف الزمن على ضفة واحدة. هناك ما هو أعمق من الصفقات والنفط والموانئ. هناك تحالف يحتمي به كلٌّ من الطرفين كمن يتكئ على جدار لا يُراد له أن يسقط. إيران، بما لها وما عليها، لم تعد مجرد دولة في خاصرة الشرق الأوسط، بل أصبحت “السدّ” الذي يواجه ارتدادات الزحف الأميركي غرباً، و”المنطقة العازلة” لمشروع الصين في تمددها الاقتصادي والسياسي عبر مبادرة الحزام والطريق.
محاولات إزاحة النظام الإيراني أو تفكيك مشروعه الإقليمي لم تعد مجدية أو ممكنة من وجهة نظر الواقعية السياسية. فإيران، بتشابك مصالحها مع الصين وروسيا وباكستان، أصبحت جزءاً من منظومة دولية جديدة تُعيد رسم التوازنات بمعزل عن الإرادة الأميركية المنفردة.
الصين، من جهتها، لا تنظر إلى إيران كنظام سياسي مؤقت، بل كعمق استراتيجي ضروري في منطقة لا تزال تُطبخ على نار الفوضى. من الخليج إلى آسيا الوسطى، تمر أنابيب الغاز وخطوط التجارة عبر ممرات محمية بالضرورة الإيرانية. ومن هنا، فإن سقوط إيران أو تغيير بنيتها السياسية على النمط الغربي لا يعني سوى انهيار جزء حساس من الجدار الصيني المتقدم.
المعادلة التي يصعب على الغرب فهمها حتى الآن، هي أن النظام الإيراني – بكل تعقيداته – ليس معزولًا، ولا هشًا كما يُراد تصويره. هو نظام يحمل مفاتيح في خارطة توازنات جديدة، تتشارك فيها بكين وإسلام آباد وموسكو، وتؤسس لنظام دولي متعدد الأقطاب.
ومن يراهن على “إسقاط” هذا النظام دون إعادة حسابات الصين، عليه أن يعيد قراءة المشهد من بحر العرب إلى قلب كابل، ومن موانئ تشابهار إلى مضيق هرمز. فالحروب لم تعد تُخاض بالبندقية فقط، بل بالتحالفات، والممرات، وخرائط الغاز.
