لم يكن الصراع الإيراني الإسرائيلي وليد لحظة، بل امتد عبر عقود من التوترات، والتصريحات النارية، والتحالفات المتشابكة في خارطة جيوسياسية متغيرة، يشكل فيها النفط، والدين، والهوية، والهيمنة أدوات أساسية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. اليوم، ونحن نتابع مشهد الحرب المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، نُفاجأ بمواقف عربية تعلن صراحة أو مواربة انحيازها إلى الطرف الإسرائيلي، في مفارقة تضع الضمير القومي، والعقل السياسي، وحتى الأخلاق، تحت سؤال حاد لا يحتمل التأجيل.فهل بات من الممكن تبرير الوقوف مع المحتل ضد دولة، مهما اختلفنا معها، تُرفع ضدها رايات الموت والخراب منذ أربعين عاماً؟ وهل يمكن فصل الصراع القائم عن القضية الفلسطينية، عن الذاكرة الجماعية للأمة، عن جراح العراق وسوريا ولبنان واليمن؟ إن الوقوف مع إسرائيل، ليس فقط تماهياً مع القوة الغاشمة، بل هو انحراف سافر عن كل المعاني التي ادّعت الأنظمة العربية الدفاع عنها لعقود طويلة.لقد استقرت العلاقة بين إسرائيل وإيران قبل الثورة الإسلامية على قاعدة التعاون الأمني والتجاري، لكن مجيء نظام الخميني عام 1979 غيّر مسار العلاقة تماماً. رفع الخميني شعار “إزالة إسرائيل من الوجود”، ودعم حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، مما جعله في مرمى الاستهداف الإسرائيلي الدائم. منذ ذلك الحين، أصبحت العلاقة بين الطرفين علاقة عداء معلن، تُغذى بالأيديولوجيا والمصالح والاستراتيجيات المتضادة.
لكن لا يمكن فصل هذا العداء عن البعد الأمريكي، حيث لعبت واشنطن، عبر دعمها المطلق لإسرائيل، دوراً محورياً في تأجيج العداء مع طهران، خاصة بعد أن سعت إيران إلى امتلاك مشروعها النووي كوسيلة ردع إقليمية. إذن، نحن أمام صراع معقّد، لا تحكمه فقط عقيدة، بل شبكة مصالح عسكرية وأمنية واقتصادية.منذ عام 2024، بدأت التوترات العسكرية بين إسرائيل وإيران تتخذ طابعاً أكثر مباشرة، مع تصاعد الهجمات الجوية، واستهداف المرافئ والمنشآت النووية، وتورط وكلاء الطرفين في ساحات أخرى، خصوصاً لبنان وسوريا. وما نراه اليوم هو أشبه بحرب غير معلنة، لكنها دموية، متعددة الجبهات، تقف على تخوم الانفجار الشامل.
في خضم هذا المشهد، برزت مواقف عربية تندد بإيران، وتُصوّر إسرائيل وكأنها الطرف “المعتدى عليه”، في تبدل صادم لمواقف تاريخية طالما أعلنت دعمها للمقاومة ورفض الاحتلال. بعض هذه المواقف جاء من قادة عرب، وبعضها من إعلاميين وكتّاب، بل حتى من مثقفين كانوا يوماً ما يرفعون شعار “القدس لنا”.
حين يقف طرف عربي إلى جانب إسرائيل في هذا الصراع، لا يمكن توصيف الأمر سوى بخيانة الضمير، لأن إسرائيل لم تكن يوماً دولة “سلام”، بل مشروع استعماري توسعي قائم على الإبادة والطرد وطمس الهوية. أن تنحاز إلى هذا المشروع، تحت أي ذريعة، يعني أنك قد فقدت بوصلتك الأخلاقية.أما من يتذرع بأن إيران تهدد الأمن القومي العربي، فيجب أن يُسأل: منذ متى كانت إسرائيل ضامنة لهذا الأمن؟ ألم تكن هي من قصف العراق وسوريا ولبنان؟ ألم تزرع خلاياها في كل بلد عربي تقريباً؟ ثم ما المقصود بالأمن القومي إذا كنا نساوم على القدس، ونتخلى عن غزة، ونبيع دماء أطفالنا في اليمن ولبنان بحجة “المصلحة”؟
المواقف لا تُقاس فقط بالمصالح الآنية، بل تُقاس بالثوابت، بالتاريخ، وبما تتركه في ضمير الشعوب. ومن يخون اليوم، سيُدان غداً في محكمة الشعوب، لا محالة.ما تزال الجماهير العربية، رغم كل حملات التزييف الإعلامي، قادرة على التمييز بين المقاومة والعدوان. وبرغم الانقسام السياسي، يبقى صوت الشعوب هو الأقرب إلى الحقيقة. الشعوب تعرف أن إسرائيل ليست ضحية، وأن الدم الفلسطيني ليس رخيصاً، وأن من يقف مع الاحتلال، إنما يطعن جسد الأمة في خاصرتها الأضعف.لقد حاول الإعلام أن يصنع من إيران عدواً مركزياً، يساويها بإسرائيل، بل يتجاوزها. لكن هذا الخطاب لم يُقنع إلا أولئك الذين باعوا عقولهم، أو انتفعوا من المال السياسي. أما من قرأ التاريخ، ومن سكنه الوطن كجرح، فلا يمكنه أن يرى في هذا الانحياز سوى سقوط مدوٍ، لا رجعة فيه ،إن الحرب بين إيران وإسرائيل ليست معركة بسيطة يمكن حسمها بلغة “مع أو ضد”، بل هي مشهد واسع من صراع المشاريع في المنطقة. لكن الوقوف مع إسرائيل، تحت أي ذريعة، هو اصطفاف مع القاتل ضد الضحية، ومع الغازي ضد الأرض، ومع الكذب ضد الحقيقة.الحياد في لحظة كهذه خيانة. والانحياز إلى إسرائيل سقوط لا يُغتفر.ويبقى الموقف الأخلاقي – حتى لو كان وحيداً – هو ما يصنع التاريخ، لا حسابات المصالح ولا صفقات السلاح.!!


