ارتفاع أسعار النفط في ظل الحرب الإيرانية – الإسرائيلية: ربحٌ عالمي وخسارة عراقية صامتة
في ظل تصاعد التوترات العسكرية بين إيران والكيان الصهيوني، شهدت أسعار النفط العالمية قفزة ملحوظة، حيث بلغ سعر البرميل 72.98 دولاراً. ورغم ما يُصوّره البعض من أن هذا الارتفاع يمثل “ربحاً مفاجئاً” لدول نفطية كالعراق، إلا أن الواقع الاقتصادي والمالي يشير إلى خلاف ذلك، خصوصًا في ظل طبيعة العقود النفطية العراقية وآلية تسعيرها الآجلة، والتي تُعد من أكثر الملفات غموضًا وعدم شفافية.
العقود الآجلة: بيع بالسعر القديم لا بسعر اليوم
العراق لا يبيع نفطه في السوق الفورية (Spot Market)، بل عبر عقود آجلة تمتد لشهور وربما سنة، حيث يتم الاتفاق مسبقاً على سعر محدد يتم التثبيت عليه.
وهذا يعني أن أسعار اليوم، مهما كانت مرتفعة، لا تُحتسب في أرباح المبيعات الحالية، بل قد يستفيد منها العراق لاحقًا إذا لم يُربط بيع الأشهر المقبلة بسعر منخفض آخر.
هذا النظام – المُعتاد دوليًا – لا يُعد إشكالاً بحد ذاته، لكنه يتحول إلى مشكلة حقيقية حينما:
- لا تكون هناك مرونة تفاوضية لتعديل العقود حسب المعطيات الجيوسياسية.
- يغيب الإفصاح الشفاف عن شروط البيع، وأسعاره، وهوية المشترين.
- تُصم الآذان عن أي مراجعة تقنية لمعادلة تسعير النفط العراقي مقارنةً بسعر خام برنت العالمي.
الأثر على الموازنة العامة
الحكومة العراقية بنت موازنتها للسنوات الثلاث (2023 – 2025) على أساس سعر نفط محدد (يُقدّر بـ70 دولارًا تقريبًا). ويفترض هذا الإجراء الحذر تذبذب الأسعار، لكنه لا يُترجم فعليًا إلى فائض مالي مريح عند ارتفاع الأسعار، لأن العوائد الفعلية مرتبطة بتوقيت التعاقد وسعره الآجل.
بالتالي، فإن أي قفزة آنية في الأسواق لا تعني بالضرورة تحسنًا فوريًا في الموارد المالية المتاحة، خصوصاً مع ارتفاع الالتزامات التشغيلية والاستيرادية التي تُهدر معظم الإيرادات.
المواطن العراقي: لا مستفيد ولا محصّن
في ظل هذا الارتباك في رؤية التعامل مع ملف النفط، يبقى المواطن العراقي خارج دائرة الاستفادة تمامًا. فلا ارتفاع الأسعار ينعكس على تحسن الخدمات، ولا انخفاضها يؤدي إلى خطط تقشف عادلة. بل غالبًا ما يكون المواطن هو الحلقة الأضعف:
- لا دعم للوقود رغم أن العراق مصدر نفط.
- لا تحسين لسعر صرف الدينار حتى في الفوائض.
- لا نمو في فرص العمل رغم ارتفاع الإيرادات المعلنة.
غياب الرؤية النقدية عند “المستشار ابو رويتب”
الأخطر من كل ما سبق، هو عدم وجود خطاب اقتصادي نقدي واضح من المختصين والمسؤولين في قطاع النفط أو المالية. كثير من التصريحات إما سطحية تنقل أرقامًا دون تفسير، أو تُبرر سياسة البيع الآجل كأنها إنجازٌ مطلق دون مراجعة آثارها.
والأسوأ أن الإعلام الاقتصادي يروّج للربح الوهمي عند كل ارتفاع سعري، بينما الواقع هو أن العراق “يتفرّج” على ارتفاع السعر وهو يبيع فعليًا بسعر الأمس، ويتقاضى الأموال بعد خصومات وشروط مموّهة.
الخلاصة:
الارتفاعات السعرية في أسواق النفط ليست بالضرورة أخبارًا سارة للعراق في ظل ضعف هيكل التسعير، وغياب الرؤية الإنتاجية والاستثمارية.
أما المواطن، فليس في جيبه من كل هذا سوى المزيد من الترقب والغموض، وموازنات لا يلمس منها سوى عجز الخدمات وضرائب الفقر المقنّعة.


