تدور منذ نحو عامين حرب ضروس في قلب الشرق الأوسط، ظاهرها صراع على النفوذ، وجوهرها إعادة تشكيل خريطة المنطقة ضمن مشروع توسعي تسعى من خلاله قوى التحالف “الإسرا-أميركي” إلى فرض واقع جديد، تتراجع فيه مراكز القوى التقليدية، وتُطوى فيه صفحة من التاريخ العربي الحديث.
ومع انحسار الدور الإيراني، واندحار مشروعه في أكثر من ساحة، تتقدم الاستراتيجية الإسرائيلية الأميركية بخطى ثابتة لترسيخ النفوذ والسيطرة، مدفوعة بهشاشة النظام العربي، وتفكك مواقفه، وغياب إرادة المواجهة السياسية والعسكرية.
اليوم، يبدو أننا ندخل فعليًا في مرحلة “الزمن الإسرائيلي”، وهو ما قد يُمهّد، أو يعلن، انطلاق مشروع “إسرائيل الكبرى”، بعد عقود من العمل الصامت والتخطيط المرحلي. هذه المرحلة ليست مجرد شعار أيديولوجي، بل تتحول تدريجيًا إلى واقع جيوسياسي تتشكل معالمه على الأرض، في ظل صمت عربي غير مسبوق، وتطبيع سياسي واقتصادي يتسارع بلا ضوابط.
وما يزيد المشهد قتامة أن التاريخ، الذي لطالما سجّل مواقف للأمة العربية في مواجهة الغزاة، لا يُعيد نفسه هنا. فحتى في أسوأ لحظات الانهيار، كما حدث عقب سقوط بغداد بيد المغول عام 1258، برزت قوى مقاومة عربية واجهت الاحتلال وأفشلت مخططاته، وصولًا إلى دحر المغول ثم الصليبيين لاحقًا. أما اليوم، فلا أثر لقوى مقاومة فاعلة بحجم التحدي، بل إننا نشهد انهيارًا عربيًا شاملًا، سياسيًا وثقافيًا ونفسيًا، بلا قاع واضح لهذا السقوط.
إن القادم يحمل تغيرات جذرية قد تعيد صياغة مفاهيم السيادة والحدود والهوية في المنطقة. وإذا لم تتم مواجهة هذا المشروع بقوة ووعي وتكتل، فإن ما نعيشه اليوم لن يكون سوى مقدمة لعصر جديد يُراد له أن يكون عصر الهيمنة الصهيونية الكاملة.
