قصيدةُ النثر .. المُبتلاةُ بِنا !!

قصيدةُ النثر .. المُبتلاةُ بِنا !!
وبعد مرور أكثر من ثلاثة أرباع القرن على ظهور بواكيرها، ما زالت قصيدة النثر تتأرجح بين مدٍّ وجزرٍ نتيجةً لعدم فهمنا لها بالشكل الصحيح، كونها جاءت متمرّدةً...

الآن، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أرباع القرن على ظهور بواكيرها، ما زالت قصيدة النثر تتأرجح بين مدٍّ وجزرٍ نتيجةً لعدم فهمنا لها بالشكل الصحيح، كونها جاءت متمرّدةً على كل شيء: الوزن، الشكل، والرؤى، إضافةً إلى تمرّدها على السلطة الحاكمة مضموناً وقصديةً. وذلك يعود لمن تلقّفها من المبدعين بشكل صحيح وأخذ ينّظر لها ويكتب فيها، رغم التيّارات القويّة التي وقفت في الطريق؛ رافضةً تارة، ومشكّكةً تارة أخرى، ونافيةً وجودها وانتماءها للشعر بشكل عام.

هذه الفتاة الفائقة الجمال لم نعرف الولوج إلى عالمها الحقيقي بالشكل الذي يؤكّد انتماءنا إليها، لا انتماءها لنا؛ لأننا خرجنا من معطف العمود والتفعيلة وما إلى ذلك من أنواع وأشكال القصيدة التي تعتمد الوزن معياراً، وأخذنا نكسر التابوهات التي تقيّد حركتنا وما نريد البوح به. ولكن هل كان خروجنا صحيحاً وبشكل دقيق جداً، مما يعطينا الحق بوصف أنفسنا بكتّابها وإطلاق ألقاب لم ينزل الله بها من سلطان؟! الجواب: لا هذا ولا ذاك. حيث صرنا نضع قدماً هنا وأخرى هناك.

تموضَعْنا ضمن قوانين سوزان بيرنار، وبقينا نشكّك في أنفسنا تارة، ونمنحها أفخم الألقاب تارة أخرى. وما زلنا عند العتبة الأولى لهذه القصيدة، التي كانت مثيلاتها أولى تباشير الشعر قبل آلاف السنين. فمن يقرأ ملحمة كلكامش والخليقة البابلية وأشعار إنخيدوانا وبوح الصوفيين وتجليّاتهم يُبصر قصيدة نثرٍ بين السطور تتبختر بغنجٍ وتعلن عن نفسها قبل كل شيء!

هذه القصيدة ابتُليت بنا، وصار البعض يكتب كيفما اتفق وينسبه إليها، وكأنها الحاضنة لكل ما جاء ويجيء من كلام. وخصوصاً في الآونة الأخيرة بعد انفتاحنا على العالم الافتراضي وصفحات التواصل، حيث أخذنا نسطّر الكلمات وندعوها قصائد نثر. وهناك من يكتب هلوسات لا أوّل لها ولا آخر، ولا تستطيع فكّ طلاسمَ جملةٍ واحدةٍ منها، وكأنها هذيانات مسطول، غير مترابطة وعياً ومضموناً، ويدعوها قصائد نثر. وآخر يكتب خواطر ويمنح نفسه اللقب الرسمي؛ شاعر نثر! وهناك الكثير ممن يتخبّط بين هذا وذاك، فصارت القصيدة مطيّة يركبها من هبّ ودبّ. ولم نجد ناقداً وقف في وجه هذا الكمِّ الهائل من المدّعين وأخذ يحصي عليهم الغثّ من السمين، لنخرج بقصيدة نثر حقيقية!

وللأمانة، كي لا نغمط حق الآخرين، هناك فرسان لها ومخلصون حقيقيون!

نقّادنا أمام مهمة صعبة جداً؛ إذ عليهم أن يشخّصوا الشعر الحقيقي سواء كان منثوراً أو موزوناً، وألا يقعوا في الشخصنة وإسقاط رؤاهم الخاصة وأمزجتهم على هذا وذاك، بل يفرزوا القصيدة الحقيقية من الخاطرة والهذيان. وأن يكونوا ناصحين مقيّمين لكلِّ من كتب ويكتب ويدلّوه على الجادّة الصواب، لا أن يتوقّفوا عند هذا إخوانياً وذاك مجاملةً وآخر خجلاً أو غايةً ومنفعة، ويضربوا عرض الحائط قصائد نثر حقيقية يجب الإشارة إليها! لا تتركوا قصيدةَ النثر مبتلاةً بنا في كل حين!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *