العراق لا يعاني من قلة الأموال… بل من إرث اقتصادي قتل معنى العمل والإنتاج

العراق لا يعاني من قلة الأموال… بل من إرث اقتصادي قتل معنى العمل والإنتاج
لا تكمن أزمة العراق في نقص الأموال، بل في نموذج اقتصادي أضعف قيمة العمل والإنتاج. ويتطلب الإصلاح انتقالًا شجاعًا نحو الاستثمار، التكنولوجيا، القطاع الخاص، قياس الإنتاجية، والتصدير لبناء اقتصاد منتج ومستدام...

حين يصبح الراتب أهم من الإنتاج… يبدأ الاقتصاد بالموت ببطء .

الحكومة الجديدة لم ترث أزمة مالية فقط…بل ورثت نموذجًا اقتصاديًا واجتماعيًا كاملاً، بُني عبر سنوات طويلة حتى كسر معنى الإنتاجية داخل الدولة والمجتمع.، وكان الحل الأسهل هو:

التعيين غير المدروس، وغير المرتبط بحاجة حقيقية للإنتاج.

وتوسيع الملاك دون أي جدوى اقتصادية تحدد الحاجة الحقيقية أو أثر هذا التوسع على الإيرادات والإنتاج.

حيث تم استخدام التوسع الوظيفي كحل اجتماعي مؤقت ، بدون احتساب النتائج الوخيمة لهذا  الحل .

أما السؤال عن:الإنتاج، والتطوير، والرقابة والتدقيق على الانتاج .

اصبحت كلمات ….صعب ومزعج التحدث بها ، واما التقييم اصبح لاوجود له ،او شكلي خاضع للعلاقات .اما  الجدوى الاقتصادية الحقيقية  فقد فُقِدَت، و اختفت معايير العمل تدريجيًا.حتى وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها جزء كبير من المجتمع يعتقد أن الوظيفة تعني:

الحضور الجسدي مقابل الراتب… لا أكثر.وممكن الموظف يعيش في دولة مجاورة والراتب يصله بواسطة بطاقة التوطين .

أخطر ما حدث للعراق

أننا لم نقتل المعامل فقط…وهي 35000 معمل .بل قتلنا فكرة العمل نفسها.

اليوم توجد معامل متوقفة منذ سنوات، ومع ذلك ما تزال تضم آلاف الموظفين الذين ينتظرون شهريًا الراتب بدون انتاج لكي يعيشوا ،  وبالمناسبة هذا ليس ذنبهم .بل ذنب من قادهم فكرياً وعملياً لهذه النتيجة .لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بشجاعة:لماذا تم تعيين هذا العدد أصلًا؟

وهل كانت هناك دراسة حقيقية تقول إن هذا المعمل يحتاج كل هذه الأعداد؟

بعض هذه المعامل او الدوائر ، في زمن إنتاجيتها الحقيقية، كانت تحتاج ربع هذا العدد فقط.

فلماذا تم التوسع؟

لماذا في السنين السابقة لم تطرح حلول تقديم منتج جديد لأي معمل ، وحتى ننتجه نحتاج هذا العدد من الموظفين وكلاً باختصاصه ؟

هل هذا كان صعباً ؟

هل فكرنا هذا التعيين سيخلق مشكلة مستقبلية للدولة والمجتمع ام لا ؟

هل هو مطلوب، وسيقف الانتاج ان لم نعين ؟

المشكلة لم تكن يومًا في الإنسان العراقي.

بل في البيئة التي أطفأت قدرته على الإنتاج.

الحقيقة المؤلمة :

أن العراق خلال سنوات طويلة بنى اقتصادًا قائمًا على “شراء الوقت” لا على بناء الإنتاج.

كل أزمة كان يتم حلها بـ: تعيينات جديدة، عقود، أو توسيع ملاكات ، بدون تحديد انتاجية هؤلاء و النفط موجود يسد الخلة  والعراق غني به .حتى أصبح الشاب العراقي يسمع كلمة “التعيين” أكثر مما يسمع اي هدف اخر .بينما بقي:المشغل الرئيسي للتعيينات ضعيفًا وهو القطاع الخاص نظراً لغياب مقومات النهوض به والقوانين التي تدعمه وتطوره  ، والذي هو  يستهدف الانتاجية بالدرجة الاولى وبشكل رئيسي ،انت تعمل اذاً تستحق الراتب ، وخذ راتبك على قدر انجازك .اضف الى ذلك التصدير مكبلًا،والتكنولوجيا متأخرة، والمشاريع الإنتاجية محدودة.لكن !ماذا كان يسمع الشاب العراقي فعلًا؟هل سمع:كيف يؤسس مشروعًا؟كيف ينتج؟كيف يصدّر؟كيف يطبق المعايير الدولية؟أو كيف ينافس عالميًا؟وأين هو السوق الذي يريد العراق الوصول إليه؟شرقًا أم غرباً .

المشكلة ليست بالشباب

الشباب العراقي ذكي ومتطلع للعلم والعمل ويريد أن يعيش حياة كريمة أسوةً بأي شاب في اي دولة اخرى ، وحتى يعيش يجب ان ينجز ،هو يريد أن يعمل، ويتطور ويأكل من عرق جبينه .انت دربه وحدد مهامه وتابعه وقيمه واجعله يوازي الموظف باي دولة ، قطعاً سيكون لك اداة انتاج نوعية متميزة .ويشهد العالم على الكثير من الادلة  ان  مؤسسات دولية كبرى تدار من قبل علماء  عراقيين .

لكن حين تعيّنه داخل مؤسسة ميتة…وتطلب منه فقط أن يتواجد يوميًا كي يستلم راتبه…اخر الشهر .

فأنت لا تعطل إنتاجيته فقط،بل تجعل فكره يموت معها تدريجيًا.لأن الإنسان الذي لا يُطلب منه:انتاج او تطوير، أو إنجاز،أو منافسة،

سيفقد مع الوقت إحساسه بقيمة العمل نفسه.وهذه أخطر خسارة يمكن أن تصيب أي مجتمع.العراق اليوم يدفع ثمن غياب القيادات الاقتصادية الحقيقية المؤثرة في دائرة صنع القرار ، لدينا:موارد، وشباب، وعقول،وفكر ، وسوق ضخم،وموقع جغرافي استثنائي.

لكن المشكلة أن العراق بقي لسنوات يُدار بعقلية تشغيلية لا بعقلية اقتصادية.

لم تكن هناك قيادة اقتصادية داخل مركز القرار تفكر:كيف نحول الدولة إلى اقتصاد منتج؟بل كان التفكير ينحصر غالبًا في:

كيف نعبر الأزمة الحالية فقط؟المشكلة لا تتوقف عند حجم الموازنة فقط…بل بطريقة التفكير بها.

ما زلنا نخطط في كل قطاع مهني للموازنات بعقلية تشغيلية قديمة،لا بعقلية استثمارية حديثة.

ضعف الأهداف الواضحة للإيرادات المطلوب تحقيقها من كل وزارة أو دائرة بعيداً عن النفط .

ثم نعود لنحسب مبالغ التشغيل لها .

دون أن نسأل:

ماذا أنتجت هذه الأموال أصلاً .

وهنا مكمن التعويق للتطور .

لدينا الان دائرة حكومية تستطيع بعقد واحد توفير ايرادت خدمية ومن خلال تخصيص استثماري أولي للمرحلة الأولى فقط، ثم استكمال التنفيذ عبر عقود BOTالذي يعتمد على عقود تعتمد مبدأ الدفع مقابل الإنجاز .

وهذا المشروع ممكن ينقل الدائرة  نقلة نوعية وحتى الموظفين الحكوميين الشركة المنفذة من مهامها تدريبهم كي يكونوا  منتجين ، وتنفيذ المشروع  بمراحله سيؤدي الى إنكماش الفساد تدريجيًا ….والخ من تحقيق الاهداف الاخرى .

لكن !!

يجب توفير مبلغ استثماري في الميزانية !،

وهذا النوع من المشاريع يحتاج قرارًا جريئًا بتخصيص استثماري حقيقي، بعيدًا عن التعقيدات والتوازنات التي تجعل نهاية كل سنة تدور حول كيفية تغطية التشغيل فقط.

نحن لا نحتاج شعارات جديدة

بل نحتاج الجرأة في الاعتراف أن معظم الموازنات ذهبت للتشغيل غير المنتج…

بينما الاستثمار الحقيقي بقي محدودًا.

أي دولة تصرف أغلب موازنتها على مؤسسات متوقفة ثم تقول:

“لا توجد أموال للاستثمار”…

فهي دولة تسعى لتأجيل تطورها للمستقبل ،وتسمح للدول الاخرى ان تمليء الفراغ داخلها اقتصادياً .

العراق يحتاج زيادة الموازنة الاستثمارية… لا التشغيلية .

لكن ليس على مشاريع استهلاكية أو شكلية.

بل على مشاريع ستراتيجية حقيقية يعمل بها الشباب ويعتمد التكنلوجيا وذات جدوى اقتصادية تحقق انتاجاً قابل للتصدير.

لأن التصدير هو العمود الفقري لاعادة نجاح الاقتصاد العراقي المستقبلي .

لأنك ان وفرت سوق خارجي ستضمن تحريك كل عجلة الانتاج وسلاسل الامداد والقيمة .

نحتاج مشاريع نربط الصناعة بالتكنولوجيا، ونربط التعليم بسوق العمل، وانحوّل الشباب من باحثين عن راتب… إلى قادة إنتاج.

الاستثمار الحقيقي سيخنق الفساد تلقائيًا.

حين تدخل:

  • الأنظمة الرقمية والرقابة الجادة للتقويم والتقييم،والحوكمة المؤسسية ،
  • بهذا نستطيع قياس الإنتاجية…

والفساد سيخسر البيئة التي يتغذى عليها.

لأن الفساد يعيش في الاماكن المظلمة ، والنقد الذي هو مهد الفساد ، والأنظمة القديمة  التي هي الان حجر عثرة امام التكنلوجيا ،بالاضافة الى المؤسسات غير المقاسة.

العراق قادر على التصدير… إذا امتلك القرار لأتمتة اجراءات  التصدير .

العراق يستطيع أن يرفع اسم منتجه محليًا وعالميًا.

لكن هذا يحتاج:

ان نطبق كل المعايير والاليات والاجراءات والاساليب التي تعتمدها الدول في تصدير منتجاتها للعراق  .

نحتاج دولة تحمي المنتج الجيد…وتسنده من اي ابتزاز خلال رحلته الطويلة بين المؤسسات المتعددة .

لا أن تترك السوق للفوضى والاستيراد غير المنظم.

المشكلة ليست أن العراق فقير

بل أن العراق غني:

بفكره،وشبابه،وموارده…

لكنه فقير في المقاعد الحكومية ان تشغلها القيادات الاقتصادية صاحبة القرار والرؤية.

قيادات تمتلك الجرأة لتغيير نموذج كامل أثبت فشله، وتعيد بناء الدولة على:

الإنتاج، والتكنولوجيا، والاستثمار، والتصدير،

والإنسان المنتج.

وبهذه الاهداف فهو يوازي اي دولة من دول الجوار ،وهذا ليس صعب التنفيذ .

العراق اليوم لا يحتاج حلولًا مؤقتة،

ولا ستراتيجيات تُكتب وتُنسى داخل الأدراج.

العراق يحتاج قرارًا اقتصاديًا شجاعًا يعيد الأمور إلى مجاريها الطبيعية.

قرارًا يعيد:

قيمة العمل، ومعنى الإنتاج، وثقة الشباب بالمستقبل.

المشكلة لم تعد في عدد الموظفين…

بل في غياب ثقافة قياس الإنتاج أصلًا.

والدولة التي لا تقيس الإنتاج…

ستفقد مع الوقت معنى العمل نفسه

نحتاج رفع شعار :-

حي على خير العمل

فعلاً قبل قولاً .

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب…

ليس الفقر.

بل أن يفقد إيمانه بقيمة العمل.

وحين يصبح انتظار الراتب أسهل من صناعة الحياة…

يبدأ الاقتصاد بالتآكل من الداخل،

حتى لو كان البلد غنيًا بكل شيء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *