يبدو أن الفن التشكيلي العراقي، منذ تأسيس دولته الحديثة وحتى اللحظة الراهنة، وهو يتأرجح بين حدّين متنافرين: حدّ الالتزام الاجتماعي بوصفه موقفاً أخلاقياً وجمالياً، وحدّ التغريب النخبوي بوصفه صرخة احتجاج ضد الابتذال والتسطيح. هذان الحدّان، وقد تناوبا على التشكيل البصري العراقي، خلقا نوعاً من القطيعة بين الفن وناسه، بين القاعة ومن يُفترض أن يتلقّى نتاجها، بين المعرض وذاكرة الجماعة. لكن السؤال الأهم، والأكثر إلحاحاً: لماذا تغيب الناس عن معارض الفن التشكيلي العراقي، رغم أن جذوره تضرب عميقاً في وعيها الجمعي، من جداريات سومر وبابل إلى ملصقات الثورة والتمرد والهوية؟!
إن العودة إلى لحظة التأسيس الأولى، مع روّاد الحداثة التشكيلية أمثال جواد سليم، فائق حسن، عطا صبري، حافظ الدروبي، توضح كيف كانت العلاقة بين الفنان والناس علاقة جدل متبادل. لم يكن جواد سليم يرسم من أجل رفّ معتم في قاعة مغلقة، بل كان يبحث عن لغة تُرى وتُحاور وتُنتقد وتُحب. هذا ما جعل نصب الحرية، مثلاً، جزءاً من بنية المدينة، ونبضاً يومياً في قلب بغداد. لكن هذا النسغ الحيّ سرعان ما انقطع، حين تحوّل الفن إلى خطاب داخل غرف النخبة، وامتثل إلى شروط القاعة لا إلى شروط الشارع.لعل واحدة من الإشكاليات العميقة في هذا السياق تكمن في مؤسسات الدولة الثقافية، التي أرادت للفن أن يكون احتفاءً بالشكل، لا بالمضمون، وأن يُحتفى بالعمل كوثيقة تمجيد، لا كسؤال معرفي. هذا ما حدث في عقود السلطة الشمولية، حيث تحوّل الفن إلى أداة للترويج، وتحوّل الفنان إلى موظف في جهاز الخطاب السلطوي. لقد تمت قولبة الذائقة، ومصادرة حق السؤال، فأصبح الفن التشكيلي، في أحسن حالاته، إما مرآة لزيف الواقع أو تغريباً لا يُفهم.حين نسأل: لماذا لا يدخل الناس قاعات الفن التشكيلي؟ فإننا نسأل، في العمق، عن جدوى الخطاب الفني ومصيره. هل ما يُعرض في تلك القاعات يمسّ همّ المواطن، يعيد تشكيل وعيه، يحرّضه على اكتشاف ذاته؟ أم هو مجرد تمرين أكاديمي بارد، مغلق على أطره الجمالية؟ التجربة المصرية، على سبيل المثال، قدّمت لنا نماذج حاولت كسر الحاجز بين النخبة والناس، فوجدنا فناني الجرافيك والملصق ينتشرون في الحواري والميادين، يرسمون للناس لا عنهم. كما أن تجارب مثل الهايت بارك البريطاني، أو الجداريات المكسيكية مع دييغو ريفيرا، جسّدت هذا التفاعل بين الفن والمجتمع، وهو ما نفتقر إليه في العراق، حيث لا تزال أغلب القاعات تقع في قلب العاصمة، محاطة بهالة الرسمي والامتياز الطبقي، وكأنها دعوة مخصّصة لفئة مختارة لا لعامة الشعب.يُضاف إلى ذلك، غياب التثقيف البصري في المدارس والجامعات، وغياب الإعلام الجاد الذي يواكب المعارض ويحللها وينتقدها، وغياب نقد فني قادر على الربط بين العمل التشكيلي والتحولات الاجتماعية. حتى النخبة المثقفة، كثيراً ما تتعامل مع المعرض التشكيلي كفعل مناسباتي، لا كحراك معرفي. فتجد الصحافة تغطّي الافتتاح لا محتوى اللوحة، وتصفّق للأسماء لا للأفكار.لا يمكن إنكار الجهود الفردية التي ما زالت تحاول كسر هذا الجمود، فثمة فنانون عراقيون اختاروا أن يحملوا لوحاتهم إلى الناس، إلى الأسواق والطرقات والمدارس، وأن يدمجوا الفن بالحياة اليومية. وثمة تجارب عرض خارج القاعة، وسط ساحة التحرير، وفي مدن الجنوب، وفي مخيمات النزوح، أعادت الاعتبار لوظيفة الفن كأداة للشفاء، للمقاومة، للتوثيق. لكن هذه التجارب تبقى مشتتة، غير مدعومة، وغالباً ما تُحاصر داخل خطاب الرفض أو التهكم.
إن القاعة ليست مجرد حيّز مادي، بل هي علاقة، وذاكرة، ورؤية. وإذا لم تنجح القاعة في استدراج الناس، فذلك لا يعني انحدار الذائقة بقدر ما يعني انقطاع العلاقة. يجب أن نسأل أنفسنا: لمن نرسم؟ ولماذا؟ هل نرسم لنؤثث جدران السلطة؟ أم لنفجّر أسئلة الإنسان؟ هل نبحث عن الجائزة والسفر والضوء، أم عن المواجهة والتجريب والانخراط في قضايا الوجود؟
إن الفن، في جوهره، لا يكتمل إلا بتلقيه. وإذا كانت القاعات خاوية، فربما علينا أن نخرج منها، أن نغيّر اللغة، الأداة، وربما أن نعيد اكتشاف المدينة، الإنسان، الحلم… حينها فقط، ربما، تعود اللوحة إلى مكانها الحقيقي: قلب الحياة.… إن قلب الحياة في العراق اليوم لم يعد كما كان، فهو موزع ما بين خيبات سياسية، وانهيارات اقتصادية، وتصدعات اجتماعية، جعلت الإنسان العراقي يبتعد، قسرًا أو عن وعي، عن كل ما لا يحقق له منفعة آنية أو خلاصًا وجوديًا. في ظل هذا المشهد، يصبح الفن رفاهية مؤجلة، لا يُنظر إليه بوصفه ضرورة، بل ترفًا. وهذا هو التحدي الأكبر الذي ينبغي على الفنانين التشكيليين مواجهته: كيف يُقنعون الناس أن الفن ليس زينة، ولا عبثًا، بل ضرورة تماثل الخبز والحرية؟
لا يعود غياب الجمهور عن القاعات الفنية إلى تقصير منه فقط، بل إلى انحسار الدور الاجتماعي للفنان الذي انشغل في بعض مراحله بالتقنيات والأساليب الغربية، فانسحب إلى مناطق اللا تواصل. نجد اليوم أعمالًا تغرق في التجريد، وتغيب عنها البنية السردية والرمزية التي تربط المتلقي بجذوره وثقافته، مما يزيد من الاغتراب البصري، ويعزز الفجوة بين العمل والمتلقي. أما من يتمسكون بالبُعد الواقعي فغالبًا ما يعيدون إنتاج وجوه الفقر والمعاناة بسطحية، لا برؤية نقدية جمالية، فتتحول اللوحة إلى ملصق إنشائي لا يهزّ ولا يُقلق.
عبر التجربة العالمية، لا نجد فنًا تشكيليًا ناهضًا دون جمهور حيّ، متفاعل، مشارك. في فرنسا، تحوّلت المعارض إلى مراكز تفاعل ثقافي جماهيري، وفي اليابان، دخل الفن مدارس الأطفال منذ سنواتهم الأولى، بينما في العراق، يظل المتحف مغلقًا، والقاعة فارغة، واللوحة تتيه في صمتها، كأنها تنتظر خلاصًا لا يأتي.
هنا، لا بد من إعادة التفكير بجذر المشكلة. هل نعيد تشكيل القاعات فنفتحها على الناس، لا على الأصدقاء والنخب فقط؟ هل نحمل اللوحات إلى الأسواق، إلى الحقول، إلى المناطق المنكوبة؟ هل نجرّب فن الشارع، الكولاج، الإنشاءات التفاعلية، المسرح البصري، فن الفيديو؟ هل نعيد الاعتبار لفنان الشارع، ونكفّ عن قمعه ومصادرة أدواته؟ هل نشجع الفنانين على أن يُنزلوا فنّهم من الأبراج إلى الأزقة؟ أسئلة لا بد منها، إذا أردنا للفن أن يكون نبضًا عراقيًا، لا صدى لقاعة خاوية.الدرس الجوهري هنا أن الفن لا يُعلّق في الفراغ، بل يُغرس في جسد المدينة. فحين يهتزّ المجتمع، على الفنان أن يكون أول من يلتقط ارتجاجه. وحين تصرخ الأرواح، لا يليق بالفن أن يصمت. وحين تفقد الأجيال ثقتها بكل شيء، لا بد أن تمنحها اللوحة بعضًا من معنى. هكذا فقط تُستعاد العلاقة بين الفن والناس.
وليست المشكلة في غياب الناس، بل في غياب الأسئلة، الرؤية، المشروع الثقافي المتكامل. ما نحتاجه ليس معرضًا مؤقتًا يُفتتح ليوم واحد وتطويه النسيان، بل ثورة بصرية تشاركية تعيد تشكيل الوعي العراقي من جديد. إنها مهمة الفنان، لكنها كذلك مسؤولية المجتمع، ومؤسساته، ومدارسه، وإعلامه، وأحزابه. لأن لا معنى لأي فن إذا لم يكن للناس، وإذا لم يكن من الناس.!!


