لا تُمنح الجوائز الكبرى في العالم عبثاً، ولا تخضع في جوهرها للنوايا الطيبة أو الاحتفاء المحض بالمنجز الإبداعي الخالص، خاصة إذا كانت بهذه الضخامة الرمزية، كما هو الحال مع جائزة نوبل للآداب. حين أعلنت الأكاديمية السويدية فوز نجيب محفوظ عام 1988، بدا المشهد أشبه بانفراج دبلوماسي ثقافي أكثر منه تتويجاً أدبياً عادلاً. كانت المنطقة العربية آنذاك تغلي: انتفاضات في فلسطين، حروب في الخليج، وانهيار متسارع في منظومات الحكم والتعليم والثقافة، بينما الغرب يبحث عن مدخل ناعم للتعامل مع “العالم العربي” من بوابة تبدو ثقافية لكنها محمّلة بحمولة سياسية ناعمة.
نجيب محفوظ لم يكن الوحيد، ولم يكن الأعلى صوتاً، ولا الأجرأ على مستوى التجريب الفني أو المضمون الثوري. كان، بكل وضوح، “المناسب” لتلك اللحظة التاريخية التي أراد فيها الغرب تقديم صورة “الكاتب العربي المتزن”، المحكوم بمخيال الدولة، غير الخارج عن السياق، المهادِن في اللغة والفكرة، والعابر في أعماق التاريخ دون استفزازات أيديولوجية حادة. محفوظ كان متديناً دون تطرف، حداثياً دون تمرد، واقعياً دون فوضى، وكان صوت القاهرة حين كانت السلطة تبحث عن واجهة ناعمة لأدبها الرسمي.هل هذا يعني التقليل من قيمة نجيب محفوظ؟ إطلاقاً. لكنه يضعنا أمام سؤال جوهري: لماذا لم تُمنح الجائزة لكتاب عرب آخرين سبقوه، وكانوا أكثر تمرداً وتجريباً وعمقاً فلسفياً؟ لماذا لم تلتفت نوبل إلى الطيب صالح مثلًا، أو عبد الرحمن منيف، أو أدونيس في ذروته؟ ولماذا تأخرت الجائزة كل هذا الزمن حتى تُمنح لأول مرة لكاتب عربي؟ ثم، لماذا نجيب محفوظ بالذات؟محفوظ كان قد دخل مرحلة شبه صمت في الثمانينات، وابتعد عن الاشتباك المباشر مع الواقع السياسي، رغم كونه ابن الدولة منذ زمن بعيد. لكن الدولة نفسها، أي مصر، كانت بحاجة إلى انتصار رمزي تعيد به تسويق نفسها ثقافياً بعد النكسة السياسية التي لحقت بها في أعقاب كامب ديفيد، وتراجع دورها العربي. ومن هنا بدأت ماكينة ضخمة تعمل، بهدوء، خلف الستار، عبر الدبلوماسية الثقافية، والملفات الموجهة، والترجمات المنتقاة، لتقديم نجيب محفوظ للعالم بوصفه “صوت العقل العربي”، “الرجل الذي كتب دون أن يحرض”، و”المفكر الذي تسلل إلى قضايا المجتمع دون أن يهدمه”.كان واضحاً أن فوز نجيب محفوظ لم يك فقط بسبب “الثلاثية” أو “أولاد حارتنا”، بل بسبب قدرته على تمثيل صورة محددة للعقل العربي كما أرادها الغرب آنذاك: عربي لا يصرخ، لا يحتج، لا يهاجم، بل يراقب بصبر، ويكتب بحذر، ويتأمل التاريخ كأنه مرآة للواقع دون أن يكسرها.الأكاديمية السويدية قالت في بيانها إن محفوظ “قد أسس سرداً عربياً حديثاً”، لكن هذا القول يحمل في طياته تجاهلاً لمجمل التجارب السردية الأخرى في العالم العربي، وتاريخ طويل من القصّ والتجريب. كأن محفوظ لم يُكرَّم لأنه كتب فقط، بل لأنه لم يصرخ، ولم يلعن، ولم يتمرد على صورة “الكاتب المناسب” الذي لا يُحرج أحداً.ربما لم يك محفوظ بحاجة إلى نوبل، بقدر ما كانت نوبل بحاجة إلى محفوظ، لتقول عبره: هذا هو صوت العرب المقبول… صوت ليس مزعجاً، ولا مشتبكاً مع رصاص الانتفاضات، ولا مشحوناً بفوضى الحلم، بل صوت يروي، فقط يروي، ويترك للأقوياء كتابة النهاية. ولعلّ ما يثير الدهشة حقًا أن محفوظ، بعد الجائزة، لم يتغير. لم يتحول إلى نجم، ولم يستثمر النوبل في إعادة تشكيل صورته، بل بقي الكاتب الذي يذهب إلى مقهاه في الحسين، يتحاور مع أصدقائه، يكتب خواطره البسيطة في الصحف، كأنه أراد أن يقول للعالم: لقد كتبتم عني ما كتبتم، أما أنا فباقٍ على طريقتي، في الحارة، بين الناس، لا أنتمي إلى قلاع الجوائز ولا إلى بروج التنظير.لكن خلف هذه الصورة، ظلت علامات الاستفهام قائمة. من الذي مهّد الطريق؟ من دفع ملف نجيب محفوظ في الأكاديمية السويدية؟ من روّج له في العواصم الغربية؟ ولماذا لم يُترجم قبل ذلك إلا القليل من أعماله؟ ثم، فجأة، بعد الجائزة، غمرت أعماله الأسواق بلغات متعددة، كأن هناك خطة زمنية كانت تنتظر لحظة الإشارة لتتحرك. كثير من هذه الأسئلة لا يملك أحدٌ إجاباتها الحاسمة، لكنها تبقى، وتورق في ذهن كل قارئ جاد.
ومن جهة أخرى، من اللافت أن محفوظ نفسه لم يستسلم تمامًا لصورة “الكاتب المروّض”، فـ”أولاد حارتنا”، التي مُنعت من النشر في مصر لعقود، كانت صرخة مكتومة في وجه المؤسسة الدينية، و”ثرثرة فوق النيل” كانت نقدًا مريرًا للطبقة المتعفنة في قلب السلطة، و”اللص والكلاب” صارت صدى لخيبة الثورة. لقد كان محفوظ أذكى من أن يصطدم بالجدار مباشرة، لكنه لم يكفّ عن الحفر تحته.
إن فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، حين يُفكك بتمعن، لا يعود مجرّد إنصاف لكاتب كبير، بل لحظة معقدة في تلاقي الثقافي بالسياسي، وتداخل الصورة بالجوهر، واختلاط الاحتفاء بالتوظيف. لقد كان محفوظ جديرًا بجائزة أدبية، بلا شك، لكن السؤال الأهم: هل نوبل منحتها له لأنه جدير، أم لأنها كانت بحاجة إلى هذا النوع من الجدارة؟ وهل اختير محفوظ لأنه يمثل الأدب العربي، أم لأنه يمثل ما يريده الغرب من الأدب العربي؟
بهذا المعنى، تصبح الجائزة علامة أكثر من كونها وسامًا. علامة على زمن، على مزاج دولي، على صورة متخيلة للعربي الجيد الذي يمكن تصديره للعالم دون خوف. محفوظ، في النهاية، قبل الجائزة وبعدها، ظل كما هو. لكننا نحن، كقراء، تغيّرنا. صرنا نقرأه ونتساءل: ماذا لو لم يفز؟ هل كنا سنمنحه هذه القداسة؟ وهل كان سيبقى هو هو، أم كنا سنجعله شيئًا آخر؟الجوائز لا تصنع الأدب، لكنها تصنع المعنى حوله. محفوظ لم يُصنع بها، لكنه لم يُعفَ من توظيفها. وهنا، تبدأ الحكاية الحقيقية. وإذا أردنا أن نبحث في الأعماق، فإننا لا نستطيع إغفال السياق السياسي العالمي الذي وُلد فيه قرار منح الجائزة لمحفوظ. فالعالم في أواخر الثمانينات كان يعيد ترتيب خرائطه، والإمبراطورية السوفييتية بدأت تتهاوى، والولايات المتحدة، بصفتها وريثة النظام العالمي، شرعت تفتش في الثقافات الأخرى عن نوافذ للتقارب، أو لنقل: للاختراق الناعم. لم تكن الجائزة إذن بريئة، بل مدروسة، تأتي في لحظة تتلاقى فيها الحاجة إلى تقديم “العربي الآخر”، مع وجود شخصية أدبية تتوفر فيها كل شروط التلقي الغربي: عقلانية، اتزان، بعد عن التطرف، وخلو من الشعارات التي تُقلق المؤسسات.ومع ذلك، فإن ما يجعل محفوظ جدليًا حتى اليوم، ليس فقط أسلوبه ولا قدرته على تصوير التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر، بل تلك الازدواجية العجيبة بين ما يبدو عليه، وما تنطوي عليه كتاباته من قسوة صامتة، وتمرّد مكتوم. إننا، حين نعود إلى “الكرنك” أو “حضرة المحترم” أو “الطريق”، نكتشف عالماً ليس بسيطًا ولا متصالحًا كما يوحي سلوك صاحبه. ثمة قلق وجودي، وصراع أخلاقي، وتشريح لا يرحم لبنى الاستبداد والتدين المزيف والانحطاط الطبقي، وكلها موضوعات لا تروق كثيرًا للسلطات، لكنها قُدِّمت بلغة عاقلة، وبلعبة سردية ذكية، فمرّت دون أن تُكسر الأصابع.أما عن “من يقف وراء الجائزة؟”، فليس من السهل تحديد الأسماء، ولا القنوات، لكن المؤكد أن ترشيح محفوظ لم يأتِ من فراغ. كان هناك دور فاعل لمترجمين ومثقفين عرب وأجانب لعبوا أدواراً استراتيجية في نقل أعماله إلى السويدية والإنجليزية، وإقناع اللجان بأن محفوظ ليس فقط كاتبًا مصريًا ناجحًا، بل “وجهاً مقبولاً للعالم العربي”. لقد كان مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، يسبقه تمهيد، وتتلوه ترجمة وترويج وحضور في المهرجانات والصالونات. لم تكن ضربة حظ، بل خطة محسوبة. ومصر الرسمية، من جهتها، لم تتأخر في دعم هذا الاتجاه، لا لأنها أرادت إنصاف محفوظ، بل لأنها وجدت فيه بوابة لاستعادة شرعية ثقافية مفقودة منذ عقود.المفارقة أن محفوظ نفسه، بعد فوزه، صار عرضة للتأويل من الجميع: من رآه انتصارًا للحداثة، من اعتبره تكريسًا للنظام، من فرح به لأنه أول عربي، ومن شكك فيه لأنه “لم يكن كافيًا”، ومن استثمره كبرهان على “الانفتاح العربي”. لكن محفوظ، في قلب هذه العاصفة، لم يقل شيئًا حاسمًا. ظل صامتًا، كعادته، يراقب، ويبتسم، ويكتب أحلامه الغريبة، تاركًا لنا كل هذه الأسئلة، وكل هذا الارتياب، وربما هذا ما يجعل الجائزة، إلى اليوم، حدثًا أكثر من أدبي، وأقل من أن يكون مجرد جائزة.ربما علينا اليوم أن نُعيد فهم نجيب محفوظ، لا ككاتب حاصل على نوبل، بل كحالة سردية وسياسية فريدة، استطاعت أن تمشي فوق الحبال المشدودة، أن تدخل المتاهة دون أن تتوه، وأن تُطوّع السلطة والجوائز لخدمة سردها، لا العكس. لقد فاز، نعم، لكنه لم يخسر روحه. وهذا، في النهاية، هو الانتصار الوحيد الذي لا تمنحه نوبل، بل تمنحه الكتابة الصافية، الصامدة، العابرة لخطابات التزلف والرفض معًا.!!


