صراحة لفهم سياسات ترامب وتعرفته الكمركية نحتاج فهما رصينا لديناميكيات الاقتصاد الكلي الأميركي ولمنطق الإجراءات التي تتبعها إدارة ترامب في التعامل مع أزمتي العجز التوأم والمديونية الهائلة لأمريكا
بالتأكيد ان فرض التعرفة الكمركية ليس خيارًا عبثيا كما قد يتصوره البعض وبسذاجة وكان ترامب شخص ساذج او احمق
ولكن بل هو امتداد لرؤية ترامب الاقتصادية القائمة على مبدأ إعادة التوازن التجاري العالمي لصالح الداخل الأميركي
وهذا دائما كان يردده وينطق به في كل حملاته الانتخابية ( ان دول العالم ظلمتنا دول العالم سرقتنا استفادوا على حسابنا اغتنت الصين من ورائنا …….)
وهذا وهو توجه براغماتي يعتمد على الضغط الاقتصادي كوسيلة تفاوضية استراتيجية للحصول على مكاسب أخرى وحتى ان كانت اقل من سياسية التعرفة الكمركية
الواقع ان ترامب لا يتحرك بردة فعل آنية
بل وفق عقيدة اقتصادية تؤمن بأن الاقتصاد القومي يجب أن يكون القاعدة الأساسية للقوة العسكرية والسياسية.
رؤيته الاستثمارية شاملة وعباراته واضحة والتي كان يرددها في كل تصريحاته ومقالاته وانفعالاته وتوجساته
مبدأ امريكا اولاً
حماية الصناعة الأميركية.
تقليل الاعتماد على الخارج.
تحفيز التصنيع المحلي.
تعزيز عوائد الدولة دون الاعتماد المفرط على التمويل بالدين.
مجابه الصين ونواياها الخبيثة في تدمير الصناعة الأمريكية
التخلي عن اتفاقية Britten woods agreement او الانسحاب التكتيكي منها بشكل ضمني او مبطن
ولكن ومع ذلك، يبقى المشهد أكثر تعقيداً مما يبدو:
وذلك وحسب تصوري وفهمي لواقع الأمور ان نجاح هذه السياسات يحتاج وقتًا ومرونة في التعامل مع ردود الفعل الدولية
ان ترامب يجيد استخدام أدوات الصدمة او أسلوب الضربة لينظر إلى الخصم في حالة تقبل الضربة
ولكن المشكلة ان الاقتصاد الأميركي بطبيعته الضخمة والمعقدة يحتاج إلى مزيج من الانفتاح والحماية، من التنافس والتعاون الحقيقي لتحقيق توازن حقيقي طويل الأمد وليس قصير الأمد
وايضاً هنالك نقطة مهمة جدا
ليس من المؤكد تماما أن رفع التعرفة الكمركية سينجح وحده في إنهاء العجز التوأم، لأنه بلاشك مرتبط أيضًا بسلوك المستهلك الأمريكي وسياسات بقية الدول.
ان رفع التعرفات الكمركية قد يحفز التضخم أحيانًا لأن السلع المستوردة تصبح أغلى وأمريكا تركت مبدأ الصناعات التشغيلية الصغيرة والمتوسطة واكتفت بالصناعات العملاقة والعسكرية
وللعلم ان ترامب سياسي ذكي ولكنه يعتمد على أسلوب “الضغط العالي والمفاوضة القاسية”
هذا هو أسلوبه يضغط بقوة ليحصل على قدر المستطاع من المزايا التفاوضية مما يجعل نتائجه مرهونة بكفاءة التنفيذ وموقف الشركاء التجاريين.
من الناحية المستقبلية:
ترامب لا يسعى فقط لضبط الميزان التجاري، بل إلى إعادة هندسة موقع أميركا داخل النظام الاقتصادي العالمي الجديد وأركز الجديد طرق النقل بين الشرق واوربا وأمريكا وسوف يكون لنا وقفة عندها
غايته النهائية أن يحافظ على تفوق القوة الأميركية داخليا وخارجيامهما كلفه ذلك من معارك تجارية ومواجهات سياسية.
فلسفته الاقتصادية لا تفصل المال عن السلطة، بل ترى أن كلما تعاظم الاقتصاد الإنتاجي، تعاظمت معه اليد السياسية والعسكرية للولايات المتحدة.


