الهوية الإيرانية من منظور علم الاجتماع

الهوية الإيرانية من منظور علم الاجتماع
يتمتع المجتمع الإيراني إلى جانب السابقة التاريخية القديمة بخصائص فريدة أخري كان لها تأثيرها على هويته ، ولا يمكن دراسة هذه الخصائص إلا عن طريق بحوث علم الاجتماع...

يتمتع المجتمع الإيراني إلى جانب السابقة التاريخية القديمة بخصائص فريدة أخري كان لها تأثيرها على هويته ، ولا يمكن دراسة هذه الخصائص إلا عن طريق بحوث علم الاجتماع . والتنوع والتعدد الاجتماعي لهذا المجتمع بعد أحد أبرز هذه الخصائص، ومما لاشك فيه أن هذا التنوع الذي استمر على مر الزمان كان له تأثيره الواضح على الهوية العامة للمجتمع الإيراني وعلى هويته القومية ، وبناء على هذا ، فإنه من أجل إدراك وفهم الأبعاد المعقدة نسبياً لطبيعة الإيرانيين وهويتهم القومية ، فإنه يكون مفيداً أن تتم دراسة التنوع الثقافي والاجتماعي والعوامل التي كانت سبباً في بقاء هذا المجتمع ، وفي استمرار وحدته المثيرة للدهشة في الوقت نفسه علي مر الزمن.

وجدير بالذكر أنه يوجد اختلاف في وجهات النظر حول تاريخ ظهور الهوية القومية والهوية الوطنية ، ففريق قال إنها مولودة مع الإنسان ، وإنها ذاتية وأزلية ، وفريق آخر قال إنها ظاهرة تاريخية وليست أزلية، وإن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ، والتنمية غير المتوازنة ، والاستعمار وتداعياته كانت كلها أسباب أدت إلى ظهور ودعم الهويات القومية المعاصرة ، واعتبر البعض التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية من عوامل ظهور وتقوية الهوية بصفة عامة ، والهوية القومية والوطنية بصفة خاصة

ولدولة ايران خصائص تاريخية وثقافية وسكانية وجغرافية جعلت منها دولة عريقة صاحبة هوية قومية ووطنية فريدة ، وإيران من الدول القليلة (مثل الصين واليابان التي يتصل تاريخها بعصر الأساطير ، فالأساطير الإيرانية تربط مصير الإيرانيين ببداية خلق البشر والمجتمع الإنساني. وعلى الرغم من أن إيران تعرضت علي مر الزمن لهزائم على أيدي الغزاة الأجانب مثل: الإسكندر الأكبر – جنكيز خان -تيمورلنك – العرب – الأتراك – التورانيون ، لكن الإيرانيين حافظوا على هويتهم ، وهضموا المحاربين الفاتحين في ثقافتهم العريقة القديمة .

أما فيما يتعلق بالسيادة السياسية ، فكل الأقوام التي وصلت إلى سدة الحكم ، حکمت باسم إيران والسلاسل الإيرانية إبتداءً من الماديين ومروراً بالبارسيين  والبارتيين، وإنتهاء بالقبائل والأقوام الحديثة التالية لهم مثل: حكام شبانكاره والأتابكة والصفويون والزنديون والقاجاريون والبهلويون. وتذكر كتب التاريخ أن الأقوام الإيرانية كانت على قلب رجل واحد منذ آلاف السنين ، لم يوحدهم القهر والهزيمة وفتح البلاد وترسيم الحدود الاستعمارية والهجرة أو حتى التهجير الإجباري ، ولم يصبحوا أقلية أو أكثرية ، وكل هذه الأقوام حكمت باسم إيران غير مرة آلاف السنين التي هي عمر هذه البلاد ، ثقافتهم واحدة ، ودينهم مشترك، وآدابهم وعاداتهم وأعرافهم مشتركة دون أي إحساس بالكراهية والعداء تجاه بعضهم البعض. اتحدوا وحافظوا علي البلاد من شر الحوادث وهجوم الأجانب ، لدرجة أنه لا يحق لأي قوم أن يفخروا علي القوم الآخرين ، لأنهم جميعاً من عائلة واحدة .

وعلى الرغم من هذا الواقع التاريخي الذي لا مراء فيه ، فإن إيران دولة متنوعة قومياً ومتعددة ثقافياً ، وفيها لغات محلية مثل: الكردية – التركية – البلوشية -اللورية – العربية إلى جانب اللغة الفارسية، ولكل قوم من هذه الأقوام ثقافته الخاصة إلى جانب الثقافة الوطنية العامة، وعلى الرغم من أن سياسة الأسرة البهلوية (١٩٢٥-(۱۹۷۹م) قامت على التشابه الثقافي والمركزية ، إلا أنها اقترنت في الوقت نفسه بسياسة تغيير الهويات الثقافية في ظل الحكم البوليسي المخيف ، إلا أن السياسة العامة التي مورست بعد قيام الثورة الإسلامية في عام ۱۹۷۹م حطمت هذه المعادلات ، وكرست مبدأ الانسجام الوطني القائم على قبول تنوع الهويات الثقافية إلى جانب معايير وعناصر الهوية التي يشارك فيها جميع الإيرانيين مثل الدين الإسلامي – الأرض المشتركة الإيرانية والآرية – اللغة الفارسية – الأعراف والآداب والعادات والقيم المشتركة . الأساطير والرموز الوطنية والدينية المشتركة – السابقة التاريخية ، وسائر المشتركات الموجودة في البلاد .

أسباب التنوع القومي – الثقافي في إيران :

كانت إيران دائما مستقرا الأقوام لهم ثقافات متنوعة حتى قبل أن تتوحد وتصبحدولة موحدة على يد كوروش في عام ٥٥٠ ق.م ، وعلى الرغم من أن الفروق الجسمانية (العنصر والعرق) وغير الجسمانية (الثقافة) هي سبب التنوع القومي الثقافي، إلا أن العنصر والعرق والفروق الجسمانية لا تلعب دوراً مهماً في التنوع القومي – الثقافي في إيران. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الثقافة هي العامل المحدد للتنوع القومي ، فالتركمان وبضعة أقوام صغيرة أخري في إيران يتميزون بخصائص عنصرية وعرقية ملفته للنظر . فضلاً عن هذا ، فإنه مع الأخذ في الاعتبار أن الإسلام لا يعد العنصر ولون الجلد معياراً لعدم المساواة ، ولتحديد هوية مستقلة فيما بين المسلمين ، يمكن القول إنه تم التغاضي في إيران عن الفروق الجسمانية . وعلى سبيل المثال ، بعد إلقاء نظرة سريعة على أهالي شيراز، يمكن مشاهدة نماذج عديدة من العنصر الأسود والعنصر المغولي بشكل واضح ، وهم يعدون أنفسهم شيرازيي الأصل، فإيران بسبب موقعها الجغرافي ، تعرضت منذ ثلاثة آلاف عام على الأقل وحتى الآن لهجمات وغارات من جانب أقوام إيرانية وعربية وتركية ومغولية ؛ مما أدي إلي اختلاط جينات هذه الأقوام مع بعضها البعض بشكل من الأشكال ، ومن ناحية أخري ، فإن وجود أصحاب البشرة السوداء الذين كانوا يقيمون – في الغالب – في خوزستان وعلى سواحل الخليج (الفارسي) في عهد العيلاميين ، وجلب أصحاب البشرة السوداء من أفريقيا لأسباب مختلفة من بينها الرق ، واستقرارهم في إيران في النهاية ، كل هذا كان له تأثيره في التركيبة العنصرية والعرقية لسكان إيران .

دور الثقافة في التنوع القومي في إيران :

عرف البعض الثقافة بأنها ظاهرة غير جسمانية أو غير بيلوجية تشتمل على جميع المكاسب التي يحققها الإنسان سواء المادية السيارة والتليفون والطائرة أو غير المادية (الدين – اللغة – المعتقدات – العلوم) ، وانتقلت إليه عن طريق التعليم ، وإلي جانب هذه الخصائص توجد خصائص أخري للثقافة مثل الحركة والانتشار والاعتماد على الرمز اللغة) ومشاركة أفراد المجتمع جميعهم فيها، وارتباط جميع عناصر الثقافة النظام السياسي والاقتصادي والديني والاجتماعي والعلوم والقيم والفنون والأدب والموسيقي مع بعضها البعض ، وتبادل التأثير والتأثير فيما بينها ، هذا فضلاً عن أن الثقافة ظاهرة نسبية وغير مطلقة ، بمعني أن الشيء المستحسن في إحدي الثقافات من الممكن أن يكون مستقبحاً في ثقافة أخري.

والثقافة ليست هي العامل المحدد في صياغة الهوية القومية فقط ، بل تعد أيضاً العامل الرئيسي في استمرار أو تغيير أو محو هذه الهوية . وقد اتضح بعد الدراسات التي أجريت عن القوميات في إيران أن عنصري الثقافة (اللغة والدين) يسهمان أكثر من أي عنصر آخر في تحديد الهوية القومية . هذا بعد استثناء بعض الحالات مثل :

التركمان والهزارة وبعض الجماعات الإفريقية الأصل . واللغة التي هي عنصر من عناصر الوحدة القومية تشكل الركن الأساسي للثقافة ، وتعتمد العناصر الرئيسية للثقافة على اللغة . ونظرا لأن اللغة ظاهرة تتغير بتغير الزمان، وأنه من الممكن أن تتشعب عن إحدى اللغات لغات ولهجات مختلفة بالتدريج، فإن إنشعاب اللغة واللهجة الجديدة يمهد الأرض لظهور قوم أو أناس بهوية جديدة، وعلي سبيل المثال ، وطبقا لبحوث علم اللغة التاريخي ، فإن جميع اللغات الهندو أوروبية (اللغات الأوروبية باستثناء المجرية والفنلندية) ، واللغات واللهجات الرائجة في إيران باستثناء اللغات السامية والأورال الثانية التركية – المغولية) ، واللغات واللهجات الرائجة في أفغانستان ، باستثناء اللغات العربية والتركية ، ولغات ولهجات الهند وباكستان ، جميعها من أصل واحد .

كما أن هجرة أحد الأقوام أو هجرة شعبة من هؤلاء القوم إلى أرض قوم آخرين من الممكن أن تؤدي إلى التنوع القومي. وهكذا يتضح أن اللغة لها دخل كبير في التنوع القومي. وبعد دراسة تاريخ إيران اتضح أن جميع اللغات واللهجات والأديان الحالية في إيران جاءت إلى إيران من أماكن أخري مع أقوام مختلفين ، وأن جميع اللغات واللهجات الحالية تابعة لثلاث أسر لغوية هي : الآرية والسامية والأورال التانية التركية والمغولية) . فإيران بسبب موقعها الجغرافي كانت تتعرض بصفة دائمة في الماضي لهجمات أقوام لديهم لغات ولهجات مختلفة ، ونظراً لأن أغلب هذه الأقوام جاءت من جانب الشرق – أي أسيا الوسطي إلى إيران ، فإن هذه الأقوام جلبت معها مجموعة اللغات الآرية والأورال التائية التي تشعبت عنها معظم اللغات واللهجات الرائجة في إيران في الوقت الراهن .

أما الدين فهو ظاهرة عالمية شأنه شأن اللغة، والدين يمس جميع جوانب الحياة، وهو الحارس للقيم الأساسية في المجتمع ، والدين والمعتقدات الدينية من الأمور العامة التي يشترك فيها أفراد المجتمع، ولهذا يمكن أن يكون الدين عامل ترابط بين أعضاء المجتمع من ناحية ، ويمكن أن يكون عامل انفصال بين المجتمعات من ناحية أخري وبناء على هذا ، من الممكن إدراك أن الدين عامل مهم في تشكيل وتقوية واستمرار التنوع القومي ، كان الدين سببا في التنوع القومي ، وكان من عوامل الترابط في ایران، فوجود أقليات دينية غير مسلمة ، مثل : المسيحيون الأرمن والآشوريون واليهود والزرادشت والمندائيون ، وتقسيم المسلمين إلى شيعة وسنة ، والتشعب الموجود بين الشيعة أنفسهم ، أدي إلى التنوع القومي في النهاية ، ومع هذا ، كان الدين الإسلامي دائماً عاملاً من عوامل الترابط والتآزر بين الإيرانيين.

وكانت إيران طوال ثلاثة آلاف عام الماضية موطناً للأديان المختلفة التي كان أتباعها يعيشون جنبا إلى جنب ، فالدين الزرادشتي كان الدين الرسمي والغالب قبل ظهور الإسلام ، وكانت أديان أخرى مثل: اليهودية والمسيحية والمانوية والمندائية والمزدكية موجودة إلى جانب الدين الزرادشتي، وبعد ظهور الإسلام وفتح إيران بعد موقعة ” نهاوند ” المصيرية التي أطلق عليها اسم : ” فتح الفتوح ” والتي وقعت في عام ۲۱ هجرية ، حل الإسلام محل الدين الزرادشتي بوصفه الدين الغالب ، وانقرضت الديانتان المزدكية والمانوية منذ ذلك الوقت فصاعداً ، وانقسم المسلمون بالتدريج إلى شعبتين رئيسيتين هما : السنة والشيعة ، وبمرور الزمان حدثت تشعبات في كل شعبة منهما ، وكان ذلك مؤثرا في التنوع القومي – الثقافي .

المجال التاريخي للتنوع القومي – الثقافي في إيران :

شهدت ایران طوال ثلاثة آلاف عام مضت هجمات وغارات مختلفة قامت بها أقوام استقروا بعدها في إيران، وكانت أهم تداعيات هذه الهجمات تسلل لغات ولهجات وأديان ومذاهب غير محلية بواسطة أقوام غير محليين إلى إيران ، فقد نبعت اللغات السامية العبرية والمتدائية والعربية والآشورية من الشرق الأوسط وبخاصة من شعبة الجزيرة العربية وفلسطين والعراق. ووصلت اللغة السامية وغير السامية – بإستثناء العبرية والمندائية والآشورية – إلى إيران عن طريق الهجمات والغارات . أما فيما يتعلق بالأديان ، فقد دخلت الديانة المزدكية إيران من آسيا الوسطي بواسطة القبائل الآرية التي استوطنت إيران ، ودخل الدين الإسلامي عن طريق شبه الجزيرة العربية ، واستقر بواسطة القبائل العربية في إيران. أما الديانات اليهودية والمندائية والمسيحية التي كان أتباعهم أقلية ، فهي مستثناة من هذا الوضع .

والواقع أن الفتح الإسلامي العربي لإيران أحدث تغييرات في جميع المجالات ، وأدي إلى دمج بعض الآداب والعادات ، وساعد على صياغة ثقافة مختلفة عن الثقافة الإيرانية التقليدية. كما أن هجوم السلاجقة والتيموريين على إيران أدي إلى انتشار اللغة التركية فيها. أما المغول فلم يتبق عنهم سوي بعض الألفاظ المغولية وبعض الخصائص العرقية المتناثرة هنا وهناك . وقد لعبت الأقوام المستوطنة دوراً مهماً في التنوع  القومي – الثقافي طوال ثلاثة آلاف عام مضت في إيران ، وكانت هذه الأقوام سبباً في تعدد وتنوع اللغات واللهجات والأديان ، ومعروف أن جميع الهجمات والغارات سالفة الذكر قامت بها أقوام مستوطنة، باستثناء هجمات وغارات اليونانيين

الهوية والحدود القومية :

الهوية (Identity) ظاهرة ثقافية يتخذها الأفراد والجماعات والأقوام أو الأماكن للحصول على كيان، ومن أجل التمايز عن الآخرين، واختيار الاسم والتسمية بعد أحد أشهر أساليب تحديد الهوية وأكثرها رواجاً . وقد أثبتت دراسة الأقوام في إيران أن كل قوم لهم مستويات مختلفة ومميزة من الهوية ، وهناك عوامل وعناصر تسببت في تنوع هذه الأقوام وفي وضع حدود بينها ، وهي عوامل وعناصر ثقافية (الاسم – اللغة الآداب والعادات – الموسيقى – الرقص – اللباس الإحساس بالترابط) ، والثقافة والتاريخ بصفة عامة ، بالإضافة إلى عناصر طبيعية (الأنهار – البحار – الجبال) . وتثبت دراسة الحيز الجغرافي للأقوام في إيران حقيقة أن كل قوم أو جماعة تمتلك

جزءاً من هذه البلاد. ولم يتم حتى الآن – مع الأسف – دراسة كيفية التقسيم الثقافي . الجغرافي للشعب الإيراني ، أي أنه لا توجد إحصائية دقيقة عن الجماعات والأقوام في إيران ، ولا خريطة تفصيلية توضح تبعثر الأقوام بشكل دقيق ، وهذا النقص ناتج عن التصور الخاطئ بأن الأقوام في إيران أقليات تشكل نسبة مئوية قليلة من المجتمع .

ومن الناحية السياسية ، من الممكن أن يكون بعض هذه الأقوام مسبباً للمشكلات السبب من الأسباب كالدعوة إلى الانفصال . لكن الحقيقة أنه لا تمتلك أية جماعة أو قوم أرضاً بحجم أرض كل الأقوام الأخري ، وأي شخص على علم صحيح بالتركيبة القومية – الثقافية الإيرانية سوف يدرك بدون أي شك حقيقة أن اللغة الفارسية تنتشر في جميع أنحاء إيران كلغة وطنية ، ولكن هذا ليس معناه أن تمتلك جماعة أو قوم بوصفهم فرساً أرضاً أكثر من غيرهم من أفراد الشعب الإيراني. ومن المعروف أن الإيرانيين والعرب والأتراك دخلوا إيران عن طريق الحرب والغلبة والفتح ، فضلا عن أن حوالي %90 من أفراد الشعب الإيراني مسلمون ، وقد قلص عنصر الدين الفروق الثقافية بين المواطنين بشكل واضح ، وأصبح الدين سبباً في إيجاد الترابط والتشابه بين المواطنين والأقوام في إيران، وبناء على هذا ، فإنه على الرغم من أن اللغة والعناصر الثقافية الأخري كانت سبباً في إيجاد حدود بين المسلمين ، إلا أن الدين أدي إلى وجود أوجه شبه مشتركة عديدة بين أفراد الشعب الإيراني .

القومية وتطوراتها في إيران المعاصرة :

بعد حروب طويلة مع روسيا ، وبعد تدخل البريطانيين ، فقدت إيران جزءاً كبيراً من أراضيها ، واضطرت إلى الاقتباس من الحضارة الغربية ، وقد بدأ النفوذ الثقافي الغربي منذ عهد القاجاريين (۱۷۷۹-۱۹۲۵م) ، واشتد في العهد البهلوي (۱٩٢٥ – ۱۹۷۹م) ، وقد أثر هذا النفوذ تأثيراً شديداً في المجتمع الإيراني التقليدي وأدي إلي تغييره تغييراً ملموساً، بحيث أصبحت الثقافة الإيرانية الحالية مزيجاً من ثلاث ثقافات : الثقافة الإيرانية والثقافة الإسلامية والثقافة الغربية ، وقد أدت التحولات التي حدثت في إيران طوال ثمانين عاماً مضت إلى تقليل الفروق، وزيادة التشابه الثقافي بين الأقوام الإيرانية .

وعلى الرغم من أن الفروق الثقافية مثل : اللغة والدين والآداب والعادات واللباس وغيره أدت إدت إلى التنوع القومي – الثقافي في إيران ، لكن نظراً لأن معظم أفراد الشعب الإيراني مسلمون شيعة ، ولأن اللغة الفارسية هي اللغة الوطنية السائدة ، فإن هذين العاملين قد لعبا دوراً مهماً في الترابط والتشابه والتجانس بين المواطنين . ولكن اقتباس عناصر الثقافة الغربية طوال ثمانين عاماً مضت أدي إلى إيجاد أوجه شبه مشتركة بين المواطنين في جميع أنحاء إيران ، وأدي إلي التجانس الثقافي بين الجماعات والأقوام ، ولكن هذا لا يعني أن العناصر الثقافية للتنوع الإيراني قد تم نسيانها، فأسلوب معيشة المواطنين في المحافظات يتشابه تشابهاً كبيراً ، فعلى سبيل المثال ، الطراز المعماري ووسائل النقل والملابس والأجهزة المنزلية والأدوية والعلاج ووسائل الزينة والتعليم والتربية وغيرها متشابهة في جميع أنحاء إيران .

الخلاصة أن القومية ظاهرة ثقافية على الرغم من أن العرق من الممكن أن يكون عاملاً مؤثراً في بعض الحالات، وبناء على هذا ، فإن الثقافة هي سبب التنوع القومي في إيران ، وقد أدي الموقع الجغرافي لإيران وهجوم الأقوام المستوطنين بلغاتهم ودياناتهم المختلفة طوال ثلاثة آلاف عام الماضية إلى استمرار ثلاث أسر لغوية هي : الآرية والسامية اللغة العربية واللغة العبرية واللغة الآشورية والأورال التانية اللغة التركية واللغة المغولية ، وإلى انتشار أديان مثل : الزرادشتية واليهودية والمسيحية والإسلام في إيران، وكانت هذه العوامل منشأ التنوع القومي – الثقافي في إيران . إلا أن موجه حديثة من العناصر الثقافية الغربية حلت محل العناصر الثقافية للمجتمع الإيراني التقليدي طوال القرن الماضي بالتدريج ، وأدت إلى تقليل الفوارغ ، وإلى زيادة أوجه التشابه بين الأقوام في إيران، ولعبت هذه الموجه دوراً أساسياً في صياغة ثقافة جديدة مكونة من عناصر الثقافات الإيرانية والإسلامية والغربية ، حيث إن عناصر الحضارة الغربية كانت أكثر تقدماً بالمقارنة مع الثقافات والحضارات الأخري.

وعلى الرغم من الشعب الإيراني مقسم إلى جماعات وأقوام متنوعة بسبب اللغة والدين والعناصر الثقافية الأخرى ، إلا أن التركيبة القومية في إيران تختلف عن دول متعددة القوميات مثل : الهند والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين ، فهي لا تقوم على أساس الأكثرية – الأقلية ، وبناء على هذا ، لا توجد في إيران أغلبية حاكمة تفرض سيطرتها على الأقوام الأخري بحجة أن هذه الأقوام أقلية ضعيفة. وإذا أخذنا في الاعتبار الوضع السابق والحقيقة التي تقول إن أكثر من 90% من أفراد الشعب الإيراني مسلمون ، ولهم تاريخ وطني ولغة وآداب وعادات وتقاليد وطنية مشتركة ، سنجد أن هذه العوامل تعد سببا للترابط والتجانس بين أفراد الشعب و الأقوام في إيران. فالأقوام في إيران تربط برباط سلمي ، وبقاء أفراد الشعب الإيراني مرهون بهذا الترابط، بصرف النظر عنن هويتهم القومية . ومما لاشك فيه أنه يوجد عدم مساواة إقليمية في إيران ، لكن من الممكن القضاء على عدم المساواة هذا بالتخطيط والتعاطف. ومما لا شك فيه أيضاً أن أفضل طريق لاستمرار التضامن والترابط بين المواطنين في إيران هو اللامركزية ومشاركة هؤلاء المواطنين في جميع الأمور وحسن إدارة التنوع والتعدد، وهذا لن يتم إلا بمنح السلطات للمحافظات

التقسيمات الاجتماعية للأقوام في إيران :

ايران دولة متنوعة ومتعددة الأعراق ، ووحدتها مرهونة بتقارب وتعايش الأقوام المختلفة مع بعضها البعض ، وبناءً على هذا ، فإن معرفة المشتركات الاجتماعية لهذه الأقوام والخصوصيات التي كانت سبباً في تسهيل هذا التعايش وهذا التقارب ، لها أهمية كبيرة دائماً . وقد تم في عام ۱۹۹۸م إجراء بحث اجتماعي واستطلاع رأي مع عدد كبير من المواطنين والمواطنات من الأقوام الإيرانية الثمانية (الآذريون – البلوش التركمان – الطالشيون – العرب – الفرس – الأكراد – اللور) ، على امتداد (۳۰) مدينة إيرانية . وكانت أسئلة استطلاع الرأي تدور حول ثلاثين متغيراً أو خصوصية اجتماعية لهذه الأقوام ، وكانت هذه الاسئلة تدور حول : الإحساس بالهوية القومية – الإحساس بالهوية الوطنية – الإحساس بالالتزام القومي – الإحساس بالالتزام – الإحساس  بالأفضلية على سائر الأقوام – الإحساس بالعدالة الاجتماعية – العلاقات الداخلية القومية العلاقات بين الأقوام المختلفة – الإحساس بالتقارب والتفاعل مع الآخرين – التعارف بين الأقوام – الثقة المتبادلة بين الأقوام – الثقة في المؤسسات الحكومية – مدي التزام الأفراد بالقانون – المشكلات الاجتماعية للأقوام المختلفة – معدل قبول الاختلافات

العقائدية بين السنة والشيعة … إلخ .

وبعد تحليل معطيات الدراسة التطبيقية ، اتضح أن الحدود الثقافية والاجتماعية للأقوام في إيران تتداخل مع بعضها البعض تداخلاً كبيراً ، وأن معدل أوجه الشبه مع بعضها البعض كبير، وأن أعلى معدل للشبه الاجتماعي موجود بين الآذريين والفرس، وأقل معدل للشبه موجود بين البلوش والعرب. وطبقاً للتحليل سالف الذكر يمكن تقسيم الأقوام الإيرانية الثمانية من حيث المشتركات الاجتماعية إلى قسمين متمايزين : القسم الأول عبارة عن أقوام : البلوش والتركمان والطالشيون ، والقسم الثاني عبارة عن: الآذريون والفرس والأكراد واللور والعرب ، ويمكن القول إن أقوام كل قسم منهما لهم هوية قومية مشتركة ، وذلك نظراً لقلة الفروق وكثرة أوجه الشبة الاجتماعية فيما بينهم، فأوجه الشبه الاجتماعية بين الأقوام ، وتداخل الحدود الثقافية – الاجتماعية فيما بيهم يعد مجالاً إيجابيا يساعد على تقوية التقارب ، وعلى تشكيل مجتمع عام أو مجتمع وطني .

وقد أوضح التحليل الخاص بتقسيم الأقوام الإيرانية أنه يختفي وراء التنوع والتعدد القومي التوحد والوحدة أيضاً من منطلق أن الوحدة في الكثرة والتعدد القائمين على الوحدة الوطنية والتقارب القومي مع الحفاظ على الثقافة والهويات القومية . ويري جامع المقالات في مقدمة الكتاب أن تقسيم الأقوام الإيرانية إلى ثماني جماعات تقسيم وضعي لإتمام البحث واستطلاع الرأي فقط، في حين أن الحدود القومية في إيران متداخلة ومتماهية وليست حدودا واقعية، باستثناء حالات قليلة جدا ، منها أنه يمكن تمييز الفروق الكيفية بين اللور والأكراد والآذريين عن طريق اختلاف اللغة فقط .

المراجع :

گفتارهایی درباره جامعه شناسی هویت در ایران مقالات عن علم اجتماع الهوية في (ایران) – به کوشش حسین گودرزی – تهران – ۱۳٨٤ ه.ش (۲۰۰۵م) (مقدمه الكتاب والفصلين الأول والثامن) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *