علي الرغم من أن رواية الحرافيش التي كتبها عميد الرواية العربية نجيب محفوظ (11/12/1911 – 30/8/2006م) الحائز علي جائزة نوبل في الآداب في عام 1988م قد صدرت في مصر في عام 1977م , إلا أنه لم تتيسرلي قراءتها إلا في سبتمبرعام 2015م , ويرجع الفضل في ذلك إلي جريدة الأهرام الغّّراء التي أصدرت في 28/8/2015م ملحقاً بمناسبة مرور الذكري التاسعة لوفاة أديب مصر الكبير نجيب محفوظ . ففي هذا الملحق قرأت بيتاً باللغة الفارسية في مقال يحمل عنوان مشوار نجيب محفوظ : الموت لا يفرق بين الأحبة , للكاتب الصحفي شريف طه . وبحكم خبرتي المتواضعة بالأشعار الفارسية , أدركت علي الفور أن هذا البيت لشاعر إيران الكبير حافظ الشيرازي (شاعر القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي), وعندئذ استقر في خاطري أن أكتب مقالاً أبحث فيه سر استخدام نجيب محفوظ بيت من الشعر الفارسي في ملحمته الحرافيش, خاصة وأن صاحب المقال المشار إليه قال بعد تصديرمقاله القصير بهذا البيت الفارسي:”السطران السابقان من الأناشيد البهيجة الغامضة كما يصفها محفوظ بنفسه في ملحمته الحرافيش, ثم وصف الكاتب الصحفي كل شطرة بأنها بيت غامض”. فبحثت عن الرواية, وقمت بالبحث عن هذا البيت في ثناياها , فأذهلني ما رأيت , فقد وجدت أن أديبنا ذكر (11) بيتاً فارسياً وشطره واحدة في ثنايا ملحمته الشهيرة , وأن جميع هذه الأبيات عبارة عن مطالع غزليات لشاعر إيراني واحد هو : حافظ الشيرازي.
وقبل أن نشرع في معرفة سر استخدام نجيب محفوظ لهذه الأبيات الفارسية في ملحمته التي أخرجها في عشر حكايات متتابعة يرتبط بعضها ببعض عن عشرة أجيال متعاقبة من أسرة واحدة هي: أسرة الناجي, نوضح المواضع التي استخدم فيها محفوظ الأبيات الفارسية في حكاياته التي وضع لكل حكاية منها اسماً مستقلاً , والتي بدأت بعاشور الناجي وانتهت بعاشور ربيع الناجي ، وهذه المواضع هي:
- يقول المؤلف في الحكايه الأولي: “عاشور الناجي” إن بطل الحكايه عاشور الناجي مضي في الممر حتي بلغ ساحة تكية الدراويش , وتصاعدت الأناشيد بغموضها… ومضي تلاحقه الأناشيد:
- اي فروغ ماه حسن ازروي رخشان شما
ابروي خوبي ازچاه زنخدان شما
الترجمة: يامن ضياء الحسن مستمد من وجهك المضئ , ويا من ماء الحسن ينبع من طابع حسنك.
- يقول محفوظ في الحكاية الأولي أيضاً:كان عاشور يتربع في الساحة أمام التكية ينتظر انسياب الأناشيد… تهادي من التكية صوت عذب ينشد:
- ز گريه مردم چشمم نشسته درخونست
الترجمة: إنسان عيني بسبب البكاء غارق في لُجة من الدماء.
(يذكر محفوظ في هذا الموضع شطرة واحدة من مطلع الغزلية).
- يقول المؤلف في الحكاية الأولي أيضاً: استقبلت العربة تراتيل آخر الليل وهي تشدو :
- جزآستان توام درجهان پناهي نيست
سر مرآ بجز اين در حواله گاهي نيست
الترجمة: لا ملجأ لي في الدنيا سوي أعتابك , ولا معتصم لرأسي إلا في هذا الجناب .
ويقول المؤلف في نهاية الحكاية الأول : وتتابعت الفصول , وظلت التكية تشدو بالأناشيد الغامضة حتي جاء اليوم الموعود… وكان عاشور يسهر كل ليلة في الساحة أمام التكية , يطرب للألحان . وفي الحكايه الثانية : شمس الدين الناجي يقول المؤلف علي لسان عاشور مخاطباً ابنه شمس الدين : لا قيمة لبريق في هذه الحياة بالقياس إلي طهارة الضمير وحب الناس وسماع الأناشيد . وفي موضع آخر من الحكاية الثانية يقول: وفي المساء كان شمس الدين الناجي يخلو إلي نفسه ساعة في الساحة يستمع إلي الأناشيد.
- يذكر المؤلف في بداية مشهد جديد من مشاهد الحكاية الثانية أيضاً هذا البيت الفارسي :
- صلاح كار كجا ومن خراب كجا
ببين تفاوت ره ازكجاست تا بكجا
الترجمة: أين صلاح الحال من خراب حالي؟ أنظر إلي الفرق بين الطريقين: من أين إلي أين؟
ثم أردف قائلاً: كان (شمس الدين) يذوب في ” السماع ” تحت ضوء البدر الذي حول بكميائه بلاط الساحة إلي فضة.
- يقول محفوظ في الحكايه الرابعة: “المطارد ” :سهر “خضر الناجي “في الساحة أمام التكية… وانتبه إلي الأنغام وهي تصعد مثل الهداهد هاتفة :
- آنانكه خاك را بنظر كيميا كنند
آيا بودكه گوشهء چشمي بما كنند
الترجمة: أولئك الذين يحولون التراب إلي كيمياء بمجرد النظر , ياليتهم ينظرون إلينا بأطراف عيونهم .
- ويقول في الحكاية الرابعة أيضاً أثناء حديثه عن ” سماحة الناجي ” : هاهي ذي الأناشيد تتسلق أمواج الظلام :
– درين زمانه رفيقي كه خالي از خللست
ُُصراحي مي ناب وسفينهء غزلست
الترجمة : في هذا الزمان لا يوجد رفيق خالٍ من الخلل , سوي قدح الخمر الصافية وديوان الغزل.
- وفي نهاية الحكاية الرابعة يقول : وقف “سماحة ” في الساحة أمام التكية, ومضي نحو الممر , والأصوات تترنم في جلال الليل :
- درد ما را نيست درمان الغياث
هجر ما را نيست پايان الغياث
الترجمة : ليس لآلامنا علاج فالغياث الغياث , وليس لهجرنا نهاية فالغياث الغياث.
- أما الحكاية الخامسة : ” قرة عيني ” , فيقول المؤلف خلالها : لاذ قرة بالأناشيد , وانغمس في الأنغام تماماً , وهي تردد :
- نقدها را بود آيا كه عياري گيرند
تاهمه صومعه داران پى كارى گيرند
الترجمة: ياليتهم يزنون النقود ويقدرون عيارها , حتي يأخذها المعتكفون بالصوامع جزاءً لأعمالهم .
- ويقول محفوظ في الحكاية الخامسة أيضاً : وجري شكر ” سماحة ” في ساحة التكية في ظل نشيد يترنم :
- هرآنكه جانب اهل خدا نگه دارد
خداش درهمه حال ازبلا نگه دارد
الترجمة: كل من يتبع طريق أهل الله , يحفظه الله من البلاء في كل الأحوال .
- ويقول المؤلف في الحكاية العاشره: وناجته ( يقصد عاشور ) الأناشيد بلغتها الغامضة :
- بي مهر رخت روز مرا نور نماند ست
وزعمر مرا جز شب ديجور نماند ست
الترجمة: لم يبق في نهاري نور بدون شمس وجهك , ولم يبق في عمري سوي الليل البهيم.
- ويقول في الحكايه العاشرة أيضاً :… هذا والجو يمتلئ بالأناشيد :
- ديدي كه جز سر جور وستم نداشت
بشكست عهد وازغم ما هيچ غم نداشت
الترجمة: أرأيت أن الحبيب لا يرغب إلا في الظلم والجور , وأنه نقض العهد , ولا يغتم لغمنا .
12 – ويختتم المؤلف الحكاية العاشرة والأخيرة بقوله: وعقب منتصف الليل ذهب (عاشور ربيع الناجي) إلي ساحة التكية لينفرد بنفسه في ضوء النجوم ورحاب الأناشيد… كأن الأناشيد الغامضة تفصح عن أسرارها بألف لسان , وكأنما أدرك : لم ترنموا طويلا ً ” بالأعجمية “, وأغلقوا الأبواب … عاد إلي دنيا النجوم والأناشيد والليل والسور العتيق … فقال له قلبه : لا تجزع فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة , وهتفت الحناجر شادية :
- دوش وقت سحر از غصه نجاتم دادند
وندر آن ظلمت شب آب حياتم دادند
الترجمة: أنقذوني البارحة في وقت السحر من الغم والحزن , وسقوني ماء الحياة في ظلمة الليل .
( تنتهي ملحمة الحرافيش بهذا البيت الفارسي )
وهكذا أنهي محفوظ ملحمته بعبارات مليئة بالأمل والتفاؤل بعد أن أدرك بطل الحكاية العاشرة أسرار الأناشيد الغامضة , وحدثه قلبه بإمكانية فتح الباب ذات يوم , كما أنهي الملحمة ببيت فارسي من الأبيات التي أطلق عليها طوال الملحمة أسماء: الأناشيد والتراتيل والألحان والأنغام , وهذا البيت – كما هو واضح من ترجمته – يمتلئ بالأمل في الخلاص من الغم والحزن .
سر وجدوي استخدام محفوظ للأبيات الفارسية في ملحمته :
قام محفوظ بتوظيف الأبيات الفارسية المأخوذة عن غزليات حافظ الشيرازي توظيفاً رمزياً جيداً في ملحمته : الحرافيش , واستغل عروبة الحرف الفارسي وسهولة قراءته علي الرغم من اختلاف اللغة . وهو يُضمن هذه الأبيات في حكاياته , ويصفها تارة بأنها أناشيد , وتارة بأنها تراتيل أعجمية , وتارة بأنها أنغام وألحان . إذن فللأناشيد وظيفة رمزية في الرواية , فهي تتردد أصداؤها مثل الخلفية الثابتة القائمة علي حافة الحارة المصرية الحافلة بالمتغيرات . وهي أناشيد صوفية يوردها محفوظ باللغة الفارسية ولم يقدمها مترجمة ، حفاظاً على جو السرية والغموض والرمز الذي يحيط بالتجربة الصوفية . وأبطال الحكايات لايفهمون الأناشيد , بل يشعرون بحالة من النشوة والصفاء الروحي حين يستمعون إليها . لكن السؤال الذي من الممكن أن يدور في مخيلة القارئ هو : لماذا قدم المؤلف الأبيات بلغتها الأصلية وهي الفارسية , وهو يعلم أنها لغة أعجمية غير مفهومة للقارئ العربي؟ .
الواقع أن المؤلف نفسه أجاب عن هذا السؤال في موضعين : الأول : في المقطع الثامن من الحكاية الأولي (عاشور الناجي) عندما قال: إن المعاني المترنمة لأناشيد التكية تختفي وراء ألفاظها الأعجمية , والثاني : في المقطع الأول من الحكاية الثانية (شمس الدين) حيث قال : ويسعد بالألحان من لا يفقه لها معني . وهو يصف هذه الأناشيد غير مرة في ثنايا حكاياته بأنها أناشيد غامضة . لكن كيف تعرف محفوظ علي حافظ الشيرازي ؟ هل كانت هذه الأبيات الفارسية مكتوبة فوق جدران التكية , ونقلها محفوظ ؟ أم أنه نقلها من ديوان حافظ الشيرازي ؟ يقول جمال الغيطاني (المتوفي في 18/10/2015م) في مقال كتبه في جريدة البيان الإماراتية في ( 28/1/2003م ) إن رجاء النقاش ( الصحفي والناقد الأدبي المصري (1934-2008 م) كتب مقالاً نُشر في مجلة ” المصور ” المصرية, تحدث فيه عن المصدر الذي استقي منه محفوظ الأبيات الفارسية , وهو ديوان حافظ الشيرازي الذي ترجمه الدكتور طه حسين (1889-1973م) الذي أبدي سعادته الغامرة بالتواصل بين لغتنا العربية وبين سواها من اللغات الشرقية . وقد أُعيد نشر هذه الترجمة مرة أخري في عام 2005م عن طريق المجلس الأعلي للثقافة في سلسلة ميراث الترجمة- المشروع القومي للترجمة , بنفس العنوان وهو : أغاني شيراز أو غزليات حافظ الشيرازي : شاعر الغناء والغزل في إيران – الطبعه الأولي – 1944م .
ومن الواضح أن نجيب محفوظ عندما حصل علي نسخة من ديوان حافظ المترجم إلي العربية , قام بنقل (11) مطلعاً فارسياً بالأضافة إلي الشطرة الأولي من مطلع غزلية أخري من هذا الديوان ، جو السرية والغموض والرمز الذي يحيط بالتجربة الصوفية كما ذكرنا من قبل وذلك لأن المترجم كان يذكر مطلع الغزلية الفارسية التي سيقوم بترجمتها إلي اللغة العربية. والغريب أن نجيب محفوظ لم يذكر الترجمة العربية للأبيات الفارسية في ملحمته علي الرغم من أنها كانت متاحة أمامه , والغريب أيضاً أنه لم يذكر أنها أبيات فارسية , ولعل هذا كان حفاظاً منه علي ، جو السرية والغموض والرمز الذي يحيط بالتجربة الصوفية كما ذكرنا من قبل . ومن الملاحظ أن بعض الأبيات التي ذكرها محفوظ في روايته بها أخطاء , ربما نتجت عن النقل المتعجل وغير الدقيق أو الطباعة غير الدقيقة .
شمس الدين محمد الملقب بـ: حافظ الشيرازي (726 – 791هـ) الذي استعار محفوظ عدداً من أبياته الشعرية , وضمنها في ملحمة ” الحرافيش ” التي يعُدها البعض أحد أهم أعمال نجيب محفوظ ، ويُعدها البعض الآخر درة ماكتب من روايات , والتي تُعد كل حكاية من حكاياتها العشر رواية في حد ذاتها , هو واحد من أشهر وأحب شعراء الفرس إلي نفوس الإيرانيين , فقد استطاع أن يمزج في شعره بين الغزل المادي البشري والغزل المعنوي الصوفي، بحيث تناول نوعاً من الغزل يمكن تفسيره علي المعنيين , ومن هنا ذهب بعض شراحه إلي القول بأن أشعاره لا يجب أن تؤخذ علي معانيها الظاهرية , إذ أن هذه المعاني غطاء تستتر دونه معانٍ أخري أبعد ” منالاً وأشرف غرضاً ” . وتعد غزليات حافظ الشيرازي من روائع الأدب الفارسي , حيث يفتن بها قارؤها , لما فيها من موسيقي داخلية وبناء جميل , وبسبب براعته في صياغة المعاني التي يجيش بها صدره في أبيات غزلياته . وقد انتقي حافظ ألفاظه – كشاعر غنائي – بمهارة فائقة , وكانت له مفردات خاصة ذات جرس موسيقي , وتراكيب مبتكرة وبديعة وغير مسبوقة وكان يتوخي سلاسة العبارة وحسن التشبيه والتمثيل ، وتنوعت أغراض وموضوعات الغزل عنده , فله أبيات في الشراب , وأبيات في التصوف, وأبيات في وصف الأحبة : وبرع في استخدام الصناعات اللفظية والبديعية دون تكلف وبخاصة صنعة الإيهام. وقد احرز ديوانه ” مكانة مرموقة ” , وحاز شهرة واسعة داخل إيران وخارجها , وُطبع ديوانه في إيران ومصر والهند غير مرة . ولحافظ منزلته الرفيعة وشهرته الواسعة داخل الأوساط الأدبية العالمية, فقد بدأ الاهتمام به منذ القرن السابع عشر الميلادي , فترجم جماعة من المشتغلين بالشرق بعض غزلياته إلي اللغة اللاتينية (لغة العلم والأدب آنذاك) , ثم تُرجم إلي الألمانية (ترجمات نثرية وشعرية) والي الفرنسية والإنجليزية .
وقد تأثر الأديب الألماني الشهير جوته (1749 – 1832 م) بحافظ الشيرازي بعد أن قرأ عنه في بعض المجلات , وبعد أن قرأ ترجمة ديوانه إلي الألمانية في عام 1815 م . وقد اتخذ جوته من حافظ مثلاً للشعر والشعراء , وخصه بكتاب في ديوانه المسمي بـ: الديوان الشرقي للمؤلف الغربي , وأطلق علي هذا الكتاب اسم : حافظ نامه ، أي : كتاب حافظ , وجعل من حافظ هاديه ودليله في رحلته إلي الشرق , واستلهم أبياتاً كثيرة من أشعاره وحاكي بعضها , وعارض بعضها . وأطلق البعض علي حافظ لقب : التوأم الفارسي لجوته .
ُطبع ديوان حافظ في مصر ثلاث مرات في مطبعة بولاق , كانت المرة الأولي مع الشرح في عام 1250 هـ , والثانية في عام 1256هـ ، والثالثة في عام 1581هـ ، وشُرحت غزلياته في إيران وتركيا والهند وأوروبا غير مرة . ولما كان حافظ قد حفظ القرأن جيداً , فقد لقب بـ: الحافظ , وهو اللقب الذي اختاره – فيما بعد – تخلصاً أو لقباً شعرياً له , وهو ُيلقب في إيران بـ ” لسان الغيب وترجمان الأسرار “. والإيرانيون يرفعون حافظاً إلي مرتبة القديسين , كما يرفعون قبره (بارگاه حافظ : الحافظية) إلي مرتبة أضرحة الأولياء الصالحين , ويزور قبره الآلاف سنوياً , وقد ُطبع ديوانه في إيران مئات المرات , ولا يخلو بيت إيراني من نسخة من ديوان حافظ , ولِمَ لا ؟ وقد استحوذت غزلياته علي اهتمام العامة والخاصة في إيران . وهم يأخذون الفأل (الطالع) من هذا الديوان, وذلك بأن يتم فتح الديوان كيفما اتفق , وتتم قراءة الغزلية التي فُتح عليها الديوان . ويؤخذ الفأل منها , وهم يسمونه : فأل حافظ . وقد حظي هذا الشاعر بما لم يحظ به شاعر فارسي آخر في كل العصور الأدبية من الدراسة والاهتمام وذيوع الصيت . ولم ينل شعر أي من الشعراء الفرس ما ناله شعر حافظ في إيران من شهرة وصيت, ولم يتداول الناس ديوان أي من الشعراء الفرس , كما تداولوا ديوان حافظ بيعاً وشراءً . وقد تم تلحين الغزلية الأولي في ديوان حافظ والترنم بها علي شكل أغنية باستخدام الآلات الموسيقية . والبعض يعد ديوان حافظ كتاب تفسير لأحلام الشعب الإيراني، وعلي الرغم من مرور ستة قرون على نظم هذا الديوان، إلا أن نسيم الحياة مازال يهب منه.
وتزخر غزليات حافظ بفخره وبإعجابه بحلو حديثه، وبعلمه بتأثير حديثه هذا على القارئ والمستمع، وقد أشار إلي هذا كثيراً في غزلياته، يقول:
- غزل گفتي ودرسفتي بيا وخوش بخوان حافظ
كه برنظم توافشاند فلك عقد ثريا را
الترجمة: نظمت غزلاً، فنظمت دُراً، فتعال وأحسن إنشاد هذا الغزل يا حافظ، حتي ينثر الفلك عقد الثريا على نظمك (من شدة إعجابه به).
ويقول إن القبول وعذوبة الكلام هبة إلهية:
- حسد چه ميبرى اي سست نظم برحافظ
قبول خاطر ولطف سخن خداداد ست
الترجمة: ياضعيف النظم، لماذا تحسد حافظاً ؟ فإن قبول الخاطر ولطف الكلام وعذوبته هبة إلهية.
ويُبالغ ويقول:
- صبحدم ازعرش مى آمد خروشى عقل گفت
قدسيان گوئى كه شعر حافظ ازبرميكنند
الترجمة: كانت الهمهمات تأتي من جهة العرش وقت الصباح، فقال العقل: كأن الملائكة يحفظون شعر حافظ .
وقال في إحدى غزلياته إن شعره تجاوز نطاق مسقط رأسه شيراز:
- حافظ حديث سحرفريب خوشت رسيد
تاحد مصر وچين وباطراف روم ورى
الترجمة: يا حافظ إن حديثك الساحر الجميل ، وصل إلي حدود مصر والصين وإلي بلاد الروم ومدينة الرى.
وصارت بعض شطرات حافظ الشيرازي أمثالاً سائرة يحفظها الإيرانيون، ويستخدمونها عند الضرورة، يقول في إحدى غزلياته:
- دركار خير حاجت هيچ استخاره نيست
الترجمة: لا حاجة مطلقاً إلي الاستخارة في عمل الخير.
ويقول أيضاً:
- هر سخن وقتى وهر نكته مكانى دارد
الترجمة: لكل مقال زمان ، ولكل موضوع مكان.
ويقول:
- روح را صحبت ناجنس عذابيست اليم
الترجمة: إن صحبة الخسيس بمثابة العذاب الأليم للروح.
أعتقد أنه من الضروري ألا ينتهي هذا المقال دون الحديث عن تكية الدراويش التي ورد ذكرها في ملحمة الحرافيش، فالتكية (من الاتكاء والاعتماد) هي: الزاوية أو الخانقاه المخصصة لإقامة الصوفية أو الدراويش، وهي أماكن للعبادة والاعتكاف ورعاية الفقراء . وقد أقيمت في البلدان العربية ومنها مصر التي كانت خاضعة للدولة العثمانية الكثير من التكايا . وقيل إن التكايا التي كانت موجودة في القاهرة كانت تخص – في الغالب – المتصوفة الإيرانيين والأتراك . وتتميز التكية التي أقامها الأمراء والأثرياء في مصر بوجود مسجد صغير وسبيل بجوارها، وبوجود مدفن للدراويش فيها. ومن هذه التكايا: تكية المولوية (وتم بناؤها عام 721هـ) وتكية البكتاشية، وتكية الكلشني الخاصة بالطريقة القادرية (تم بناؤها في 931هـ)، والتكية السليمانية (تم بناؤها في عام 950هـ).
وفي نهاية المقال أقول إنه ربما مال محفوظ إلي الرأى القائل بأن حافظاً الشيرازي صوفي يسلك مسالك المتصوفة ويستعمل مصطلحاتهم وعباراتهم، وبأن أشعاره يجب ألا تؤخذ على معانيها الظاهرة . وملحمة الحرافيش فيها بُعد صوفي شرقي، وإشارات عن تكية الدراويش التي تصدر عنها الأناشيد في الليل ، وعن ساحة التكية وبوابتها وسورها العتيق، وعن أسرار التكية وسماع الأناشيد الغامضة في المساء، وعن شدو الحناجر بالألحان والأصوات العذبة التي تترنم في جلال الليل، وعن الأنغام التي تصعد مثل الهداهد وتتردد في المكان، وعن انفراد بطل الحكاية بنفسه في إنتظار انسياب الأناشيد أو في رحاب هذه الأناشيد. وقد يكون كل هذا قد شجع محفوظاً على استخدام أبيات فارسية لشاعر يؤمن العديد من الدارسين بأنه شاعر صوفي.
مراجع البحث البحث:
- أغاني شيراز أوغزليات حافظ الشيرازي شاعر الغناء والغزل في إيران – سلسلة ميراث الترجمة – طبعة المجلس الأعلي للثقافة – القاهرة – عام 2005م.
- الحرافيش: نجيب محفوظ – الطبعة الخامسة – دار الشروق – القاهرة – 2014م.
- ديوان حافظ – تهران – 1382هـ.ش (طبعة محمد قزويني وقاسم غنى).
- شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت).
- قطوف من الثقافة الإيرانية: دكتور محمد نور الدين عبدالمنعم- القاهرة – 2015م.


