وقفتُ على الرابية، كما أوصى قُسُّ بن ساعدة، أرقبُ القومَ إذا اجتمعوا، أترقّبُ المعجزات، وأقلبُ وجهي في وجوهٍ تعرف كيف تتصوّر التاريخ، لكنها تنسى أن تكتبه. كانت بغداد تُلمّع بلاطات الاستقبال، تفرش أحلامها المهترئة على سجّاد أحمر، وتخبّئ أوجاعها خلف أعمدة الإنارة، وتهمس: أهلاً بكم يا من بعتم القدس، وقايضتم دماء أطفال اليمن بورقة نفط، وصفقة بناء، وهدية تطبيع ممهورة بابتسامة شيطان.
المؤتمر يبدأ.الكاميرات تلمع.
والخطب تُلقى ببلاغة أبي تمام، وحماس عنترة، وجمود تماثيل الشمع.
قادة يتحدثون عن فلسطين كأنها كوكب آخر، وعن السودان كأنه حدث عابر في مسلسل وثائقي لا يحظى بنسب مشاهدة عالية.
كلٌّ يطلب من الآخر أن “يُبادر”، و”يُوحّد”، و”يُدين”، ثم يلتفت للكاميرا ليمنحها ابتسامة وطنية تحفظ ماء الوجه… وتُنسى بعد لحظات.
سألتُ نفسي، وأنا أعدّ عدد الذين قالوا كلمة “الأخوة”:
هل حقًا في الأمر ريبة كما قال قس بن ساعدة؟
أم أن الريبة صارت هي الحقيقة الوحيدة؟
هل يمكن لبغداد، التي لم تُرمم جراحها بعد، أن تُرمم جراح الأمة؟
هل يستطيع الحاكم الذي لا يسمع سوى صدى صوته أن يُنصت لوجع غزة؟
هل يملك العربي، في هذا الزمان البائس، قلبًا واحدًا دون أن يُتهم بالانتماء لحزب أو محور أو أجندة؟
في كواليس المؤتمر، هناك من يُوزّع الهدايا التذكارية:
درع من البرونز على شكل نخلة – رمز الصمود.سيف صغير مذهب – رمز الكرامة.
علبة تمر فاخر – رمز الجود.ضحكت.
قلت في سري: لو جمعنا هذه الرموز، لربما صنعنا تمثالًا لخيبتنا… لا أكثر.
وفي مشهد ساخر حدّ البكاء، رفع أحدهم يده للسماء وقال:
“اللهم اجعل هذه القمة قمة خير!”
والكاميرا اقتربت من وجهه، ثم عرضت لقطة مقربة ليديه المتورمتين بالخواتم، ولساعة تلمع بدماء الفقراء.
عدتُ من القمة إلى الرابية، لا أحمِل غير الصمت، ولا أرى غير دخان الكلمات.تساءلت: هل حقًا كان هذا مؤتمرًا؟أم مهرجان خطابي؟
هل صُنع شيء لأهل غزة غير الدعاء؟
هل زار أحدهم خيمة في مخيم؟
هل لمس أحدهم يدًا ترتجف من الجوع في السودان؟
هل مرّت كلمة “اليمن” دون أن تُصححها الترجمة الفورية بـ”اليأس”؟
ضحكتُ، رغم أن القلب ينزف.
ربما لو غيّروا اسم المؤتمر من “قمة بغداد” إلى “كرنفال الشكوى والوعود”، لكنا صدقناهم أكثر!
وربما، لو خرج علينا أحدهم وقال ببساطة:
“جئنا نتصوّر ونعود، لا أكثر”،
لكان ذلك أصدق موقف عرفته السياسة العربية منذ سايكس وبيكو وحتى البند السابع.
لكننا نحن الشعوب، ما زلنا نحمل ذاكرة السمك،
نصفّق، ثم ننسى.
نغضب، ثم نغفر.
نصرخ، ثم نُطفئ التلفاز، ونكمل العشاء.
أما أنا،
فقد كتبتُ هذه الورقة…لأضحك،كي لا أبكي!
وفي اليوم التالي، استيقظت بغداد من قيلولة القمة،
غسلت وجهها من عطور الوفود،
كنست الموكيت الأحمر،
وأطفأت أنوار القاعات التي شهدت فصول المسرحية.
الشوارع عادت لمزاجها المعتاد: زحامٌ، كلاب سائبة، أطفال يبيعون المناديل على الأرصفة،
وشرطة المرور يبتسمون فقط حين تمر سيارة فارهة…
تحمل لوحة دبلوماسية أما التلفاز، فظل يكرر:
“نجاح كبير لقمة بغداد… إجماع عربي تاريخي!”
ضحكت…
أنا الذي لم أعد أضحك إلا على النشرات الرسمية.وتذكرت بيتًا للشاعر موفق محمد:
“يريدونَ أن يحفروا قاع قلبي… ليدفنوا فيه أسماءهم!”
آه يا موفق،
لو حضرت القمة، لمنحوك شهادة تقدير لأنك قلت الحقيقة دون أن ترتدي بدلة رسمية،
وأجبروك أن تبتسم للصورة الجماعية.
في أحد الفنادق، سمعت مسؤولًا عربيًا يقول وهو يقضم قطعة كنافة ساخنة:
“الوضع العربي معقد… لكن نحن متفائلون!”كان يضحك…كأنه يتحدث عن فريق كرة قدم خسر كل مبارياته لكنه ما زال يؤمن بالحظ.في إحدى الجلسات المغلقة (كما قالت الصحف)،اقترح أحدهم مبادرة جديدة للسلام.وفي الجلسة التي تليها،اقترح آخر أن نؤجل النقاش حتى “تتحسن الظروف الإقليمية”.ثم خرج البيان الختامي:
“تم التوافق على تشكيل لجنة لدراسة إمكانية تشكيل لجنة”أيعقل أن كل هذه الخيبات تحتاج إلى مخرج؟
نعم… مخرج سينمائي بارع يعرف كيف يقفل المشهد الأخير بلقطة بطيئة:
يد عربية تصافح يدًا أخرى مجهولة،
ثم تختفي الأضواء،ويظهر على الشاشة:
“إلى اللقاء في قمة أخرى… ببلد جريح آخر”أما الرابية…فقد انتصبت صامتة،
تحتفظ بكل شيء:وصية قُسّ،
دموع بغداد،وصوت عربي ضاع ما بين لسانين…واحد يتحدث عن الوحدة،
وآخر يهمس للخصم عن صفقات السلاح.وفي الختام،أعدكم أن أضحك كثيرًا في المرة القادمة،حين يعلنون عن “مؤتمر المصالحة العربي – الشامل”،ويدعوني كمثقف مستقل،
لأجلس في الصف الخلفي،أصفق،
ثم أعود لأكتب…عن قمة أخرى،
في زمن آخر،حيث لا أحد يتذكر أن على الرابية…وقف رجل ذات زمن،
وقال:“إن في الأمر ريبة…”لكنهم جميعًا…اختاروا ألا يسمعوه.


