9-الحرية في زمن الدكتاتورية: صدام حسين أنموذجًا

9-الحرية في زمن الدكتاتورية: صدام حسين أنموذجًا
في ظل الأنظمة الدكتاتورية، يصبح الحديث عن الحرية مغامرة محفوفة بالمخاطر، وقد تكون التهمة الجاهزة لمن يتفوه بكلمة "حرية" هي الخيانة أو التآمر على الوطن...

في ظل الأنظمة الدكتاتورية، يصبح الحديث عن الحرية مغامرة محفوفة بالمخاطر، وقد تكون التهمة الجاهزة لمن يتفوه بكلمة “حرية” هي الخيانة أو التآمر على الوطن. وعندما يتحول الوطن ذاته إلى صورة الزعيم، تتماهى الدولة مع الحاكم، وتُختَزَل إرادة الأمة في شخص واحد. في هذا السياق، كانت تجربة العراق في عهد صدام حسين (1979–2003) إحدى أكثر التجارب قسوة في التاريخ العربي الحديث، إذ جرى تسليع الحرية، وترويض المثقف، وتطويع الثقافة لخدمة السلطة.

الحرية كديكور سلطوي

لم تكن الحرية غائبة عن الخطاب الرسمي للنظام العراقي، بل كانت تُروّج في الإعلام، وفي مناهج التعليم، وحتى في أدبيات حزب البعث كأنها جزء لا يتجزأ من هوية الدولة. غير أن هذه الحرية كانت مشروطة، مؤطرة، ومرهونة برضا الحاكم. لقد كانت، في الحقيقة، حرية مصنوعة، تُستخدم لتجميل وجه النظام أمام الداخل والخارج، بينما كانت الحقيقة تقول إن العراق كان يعيش تحت رقابة أمنية كثيفة، تخنق حتى الهواء.

يُعبّر المفكر الراحل فالح عبد الجبار عن ذلك بقوله:

“في دولة شمولية مثل العراق، يتحول كل شيء — بما في ذلك الحرية — إلى أداة لإدامة السيطرة، ويُنظر إلى المثقف ككائن يجب أن يُطوَّع لخدمة الرواية الرسمية.”

المثقف بين الترويض والمقاومة

في مثل هذا المناخ، لم يكن أمام المثقف سوى ثلاثة خيارات: التملق، الصمت، أو المقاومة.

المثقف المتملق: وهو من اختار الانخراط في آليات السلطة، وشارك في إنتاج خطاب دعائي يُمجد القائد، ويبرر ممارسات النظام. وقد نال هؤلاء مكانة اجتماعية وامتيازات مادية، لكنهم فقدوا استقلاليتهم الأخلاقية. لقد تحوّل كثير من الكُتّاب والفنانين إلى أدوات ترويج، يمدحون “الحزب القائد” و”الرئيس الضرورة” في كل قصيدة ومسرحية ومقال.

المثقف الصامت: وهو من اختار أن ينجو بنفسه بالصمت، فامتنع عن النقد، وابتعد عن الكتابة الصادقة. هذا الصمت لم يكن دائمًا جبنًا، بل أحيانًا ضرورة للبقاء، خاصة مع شراسة الأجهزة الأمنية واستخدامها أساليب الترهيب والتصفية الجسدية.

المثقف المقاوم: وهي الفئة التي اختارت المواجهة، إما بالكتابة الرمزية، أو باللجوء إلى المنافي. ومنهم من قضى في السجون أو أُعدم أو اختفى. ولعل الشاعر مظفر النواب، الذي هرب من بطش النظام وعاش في المنافي، يُعدّ مثالًا على المثقف الذي رفض التواطؤ.

يقول فؤاد التكرلي:

“أن تكون مثقفًا في العراق البعثي، يعني أن تختار بين خيانة نفسك، أو مواجهة مصيرك.”

الثقافة كأداة للسلطة

لقد عمد نظام صدام حسين إلى توظيف الثقافة بشكل ممنهج في خدمة السلطة. أصبحت المؤسسات الثقافية الرسمية — مثل اتحاد الأدباء ووزارة الثقافة والإعلام — مراكز لإنتاج خطاب الطاعة. كان المسرح يُستخدم لتمجيد الحروب، والشعر لتمجيد الزعيم، والرواية لتثبيت بطولات البعث.

وقد تم تقليص الفضاء العام ليكون صالحًا فقط لمن “يُغني للقائد”، وتمت ملاحقة المثقفين المستقلين، بل وحتى مراقبة منازلهم وحياتهم الشخصية. وتم زرع الخوف حتى في الجلسات الخاصة. وكما قال الشاعر سعدي يوسف في إحدى مقابلاته:

“كنت أكتب وفي داخلي رقابة داخلية صارت جزءًا من وجداني… أقمع نفسي قبل أن يقمعني أحد”.

الحرية، في هذا السياق، لم تكن حقًا مدنيًا، بل رخصة تُمنح وفق مزاج النظام، وتُسحب متى شاءت السلطة.

المنفى كمساحة للحرية

لم يجد كثير من المثقفين العراقيين ملاذًا إلا في المنفى، حيث استطاعوا أخيرًا التعبير عن مواقفهم بحرية نسبية. في باريس، ولندن، وبيروت، والقاهرة، تشكلت نوى ثقافية عراقية حملت هموم الداخل، ورفضت التماهي مع خطاب الدكتاتور. كتبوا الشعر والرواية والمقال، وشاركوا في الفعاليات الدولية، وفضحوا جرائم النظام، لكنهم ظلوا يدفعون ثمن الغربة والبعد عن الوطن.

يقول الكاتب كامل شياع، الذي عاد إلى العراق بعد 2003 وقُتل لاحقًا:

“في المنفى كنا نكتب بحرية، لكن دائمًا هناك ألم الغياب… كنت أبحث عن العراق في القصائد، لا في الجغرافيا”.

الإرث الثقيل لما بعد الدكتاتورية

حتى بعد سقوط النظام عام 2003، بقي الإرث الثقيل لسنوات القمع حاضرًا في الوعي الجمعي العراقي. الخوف، الرقابة الذاتية، الشك المتبادل بين المثقفين، كلها ظواهر ترسخت في عهد البعث ولم تختفِ بسهولة. لقد خلفت الدكتاتورية جيلًا من المثقفين المنكسرين، المشككين في جدوى الكتابة، وفي قيمة الموقف.

ولا تزال أسئلة كثيرة مطروحة:

ما دور المثقف في مواجهة الطغيان؟

هل يجوز للمثقف أن يصمت؟

وما ثمن الموقف في زمن الرعب؟

خاتمة: المثقف بين لعنة الصمت وواجب الموقف

تُظهر تجربة العراق في عهد صدام حسين أن الحرية، حين تُختزل إلى شعار، تتحول إلى قيد آخر في يد السلطة. لقد كانت الثقافة رهينة لتعليمات النظام، والمثقف بين خيارين قاسيين: إما التواطؤ في تزييف الوعي، أو النفي والصمت والخوف.

لكن بعض الأصوات النزيهة بقيت تقاوم، مثل مظفر النواب، وسعدي يوسف، وكامل شياع، وغيرهم ممن اختاروا أن يكونوا ضميرًا لا صدى.

وفي كل زمان، يظل المثقف الحقيقي هو من ينحاز إلى الحقيقة، لا إلى الحاكم، ويضع ضوء الكلمة في وجه عتمة الاستبداد. فالحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، والموقف الصادق — وإن كلّف حياته — هو ما يصنع الفرق بين المثقف كسلطة ضمير، والمثقف كأداة دعاية.

هكذا، فإن إرث الدكتاتورية لم يكن فقط في خراب السياسة، بل أيضًا في جرح الوعي. ومن هنا، فإن معركة الحرية تبدأ من الكلمة، ومن المثقف الذي يجرؤ أن يقول «لا».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *