الفلسفة في بغداد: فكر محاصر في جدران الأكاديميا

الفلسفة في بغداد: فكر محاصر في جدران الأكاديميا
شهدت بغداد از العصور الذهبية للفلسفة انحدارًا في الحضور الفلسفي، إذ باتت الفلسفة حبيسة الأوساط الأكاديمية، وتفتقر للدعم المجتمعي، ويُقترح تعزيزها عبر الإعلام والتعليم وربطها بالحياة اليومية لاستعادة دورها الحضاري....

المقدمة

تُعدّ بغداد واحدة من أبرز المدن التي ارتبط اسمها بتاريخ الفلسفة والعقل في العالم الإسلامي. فمنذ تأسيس بيت الحكمة في العصر العباسي، كانت مركزًا للترجمة والنقاشات الفلسفية الكبرى التي جمعت بين الفلسفة اليونانية والعقل الإسلامي، فخرجت منها أسماء لامعة أثّرت في الفكر الإنساني مثل الكندي والفارابي وابن الهيثم.

لكن المفارقة المؤلمة أن بغداد اليوم، رغم تاريخها العريق، تشهد انكماشًا واضحًا في الحضور الفلسفي في الحياة العامة. إذ أصبحت الفلسفة محصورة داخل الجامعات ومراكز البحوث، بعيدة عن المجتمع والثقافة اليومية، وكأنها علم مغلق لا يتجاوز جدران الأكاديميا.

المحور الأول: الفلسفة بين الجامعة والمجتمع

تُدرَّس الفلسفة في الجامعات العراقية كمادة أكاديمية نظرية تُعنى بالتحليل والمنطق وتاريخ الفكر، لكنها لا تُمارَس بوصفها طريقة في التفكير أو أسلوبًا لفهم الواقع. فالنشاط الفلسفي اليوم يكاد يقتصر على إعداد بحوث ورسائل جامعية، أو على محاضرات موجهة إلى طلبة الفلسفة حصراً.

وهذا الانحصار جعل الفلسفة تبدو علمًا نخبويًا لا صلة له بالحياة العامة، فغابت عن الخطاب الإعلامي، وعن النقاشات الاجتماعية، وحتى عن الحوارات السياسية والثقافية التي تحدد وعي المجتمع واتجاهاته.

إن الفلسفة، في جوهرها، ليست ترفًا ذهنيًا ولا اختصاصًا جامدًا، بل هي أداة للتفكير النقدي تساعد الإنسان على فهم ذاته وعلاقته بالعالم. لذلك فإن بقاءها داخل أسوار الجامعة يُفقدها معناها الحي، ويجعلها تُدرَّس كتراث ميت بدل أن تُمارَس كفعل تفكير معاصر.

المحور الثاني: المبادرات الثقافية ومحاولات كسر العزلة

رغم هذه العزلة الأكاديمية، ظهرت خلال السنوات الأخيرة بعض المبادرات الثقافية التي حاولت إعادة الفلسفة إلى الحياة العامة. من أبرزها الأنشطة التي يقيمها اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق عبر مشروعه المعروف بـ “منبر العقل”، وهو منبر يُعنى بإحياء النقاش الفلسفي في الفضاء الثقافي العام.

لكن هذه المبادرات، على أهميتها، ما زالت محدودة التأثير، لأنها تدور ضمن نفس الفئة المثقفة والأكاديمية. فالحضور في مثل هذه الندوات غالبًا ما يقتصر على أساتذة الجامعات وطلبة الدراسات العليا والمشتغلين في الحقل الثقافي، بينما يغيب عنها الجمهور العام الذي يُفترض أن تكون الفلسفة موجّهة إليه في الأساس.

ويُضاف إلى ذلك ضعف التغطية الإعلامية لهذه الأنشطة، وغياب مشاريع فلسفية موجهة إلى الشباب والطلبة في المدارس، ما يجعل العلاقة بين الفكر الفلسفي والمجتمع شبه مقطوعة.

وبهذا، تبقى الفلسفة تدور في حلقة مغلقة: لا تصل إلى الناس لأنها نُخبوية، وتظل نُخبوية لأنها لا تصل إلى الناس.

المحور الثالث: أسباب ابتعاد الفلسفة عن الفضاء العام

يمكن النظر إلى هذه العزلة من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة:

ضعف الثقافة الفلسفية العامة: فالمجتمع العراقي، كغيره من المجتمعات العربية، يعاني من فجوة معرفية في التعامل مع الفكر الفلسفي، إذ يُنظر إلى الفلسفة أحيانًا على أنها ترف أو تعقيد لا فائدة منه.

غياب الدعم المؤسسي والإعلامي: لا توجد برامج تلفزيونية أو إذاعية متخصصة تُبسّط الفلسفة وتُقرّبها من الناس، ولا دعم حقيقي من المؤسسات الثقافية الرسمية لنشر الوعي الفلسفي.

تأثير الأوضاع السياسية والاجتماعية: فالتقلبات التي عاشها العراق خلال العقود الأخيرة دفعت الفكر العام نحو الانشغال بالسياسة والاقتصاد والأمن، ما جعل الفلسفة تبدو بعيدة عن أولويات الحياة اليومية.

ضعف التواصل بين الأكاديميين والجمهور: إذ يندر أن نجد أساتذة الفلسفة يكتبون بلغة مبسطة في الصحف أو يتحدثون في وسائل الإعلام بلغة مفهومة للعامة، مما يزيد الفجوة بين المتخصص والمجتمع.

المحور الرابع: نحو فلسفة فاعلة في الحياة العراقية

من أجل أن تستعيد الفلسفة دورها الحقيقي في بغداد، ينبغي أن تُعاد صياغة علاقتها بالمجتمع. فالفلسفة ليست حكرًا على الأكاديميين، بل هي ملك للجميع لأنها تتعامل مع أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوجود، والعدالة، والحقيقة، والحرية.

يمكن تحقيق ذلك من خلال:

إطلاق برامج فلسفية في الإعلام تُناقش القضايا اليومية بلغة مبسطة.

إدخال الفلسفة في المناهج المدرسية منذ المراحل الثانوية لتنمية التفكير النقدي لدى الطلاب.

تشجيع كتابة المقالات الفلسفية المبسطة في الصحف والمجلات.

إقامة ملتقيات مفتوحة في المقاهي الثقافية والمنتديات الشبابية لربط الفلسفة بالواقع.

بهذه الخطوات يمكن للفلسفة أن تخرج من عزلة الأكاديميا وتصبح جزءًا من الوعي الجمعي للمجتمع البغدادي.

الخاتمة

إن حضور الفلسفة في الحياة العامة ليس ترفًا، بل هو شرط أساسي لبناء مجتمع عقلاني قادر على التفكير النقدي واتخاذ المواقف الواعية. فبغداد، التي كانت يومًا قبلة للفكر والعلم، لا يمكن أن تستعيد مجدها الحضاري إلا إذا استعادت علاقتها بالعقل الحر والنقاش المفتوح.

إن الفلسفة قادرة على أن تكون جسرًا بين المعرفة والحياة، بين السؤحال والجواب، بين الفرد والمجتمع. وإذا خرجت من جدران الأكاديميا لتسكن الوعي العام، فإنها ستعيد لبغداد شيئًا من وهجها الفكري القديم، لتبقى كما كانت دائمًا: مدينة العقل والنور.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *