في مرحلة تاريخية تعاني فيها الأمة العربية والإسلامية من فقدان التوازن والهوية، تأتي إيران لتعيد إلى الواجهة خطاب الكرامة والسيادة، وتفرض نفسها كلاعب لا يمكن تجاهله في معادلات الصراع الإقليمي والدولي. في ظل تراجع مواقف العديد من الأنظمة العربية، وارتهانها للمحاور الغربية، تُصرّ طهران على خوض معركة الوجود والكرامة، لا بالنيابة عن أحد، بل انطلاقًا من مشروعها الاستراتيجي الذي يتقاطع مع قضايا الأمة، وعلى رأسها قضية فلسطين.
لقد أصبحت إيران اليوم، بنظر كثير من الشعوب العربية والإسلامية، رمزًا لصوت لا يساوم، ولا ينكسر، بل يواجه، ويتحدى، ويعيد تشكيل الواقع السياسي والجيوستراتيجي في المنطقة.
أول الثورة: قطيعة مع الاحتلال ورسالة إلى الأمة
منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، لم تكن علاقة إيران بالقضية الفلسطينية مجرد مواقف إعلامية. كان أول قرارات الثورة إغلاق السفارة الإسرائيلية في طهران وتحويلها إلى سفارة لفلسطين. وهو قرار لم تقم به أية دولة عربية حتى الآن. تبعه دعمٌ عمليّ لحركات المقاومة، بداية من الفصائل الفلسطينية، إلى حزب الله في لبنان، فالحشد الشعبي في العراق، وأنصار الله في اليمن، وكلها قوى تعلن رفضها للهيمنة الأميركية والصهيونية.
إيران بنت مشروعًا متكاملاً، عنوانه: محور المقاومة، وسعت لخلق توازن جديد في منطقة طالما سيطرت عليها القوى الغربية و”إسرائيل” بالحديد والنار.
لكن هذا المشروع لم يخلُ من العقبات، فقد تعرض لحصار سياسي واقتصادي خانق، وعقوبات متواصلة، ومحاولات شيطنة إعلامية، واغتيالات لقادته، ومحاولات لعزل إيران دبلوماسيًا وأمنيًا. ورغم ذلك، لم تتوقف طهران عن تطوير قدراتها العسكرية والعلمية، وبناء شبكة حلفاء تتشارك معها الرؤية نفسها للصراع.
نحو معادلة ردع: من الدفاع إلى الهجوم
لأكثر من عقدين، اعتمدت إيران على “الحرب غير المتماثلة” – أي دعم الحلفاء في المنطقة لخلق بؤر مقاومة تردع الاحتلال من أكثر من جبهة. غير أن ما شهدناه خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة – وبلغ ذروته خلال اليومين الماضيين – يُظهر أن طهران لم تعد تكتفي بالدعم غير المباشر، بل بدأت بتأسيس معادلة ردع مباشرة مع إسرائيل.
إنّ أبرز مراحل هذه المعادلة كانت في:
الرد على اغتيال قاسم سليماني في 2020، حين استهدفت إيران قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق – للمرة الأولى منذ الثورة – بهجمات صاروخية علنية.
الرد على اغتيال علماء نوويين مثل محسن فخري زاده، وتكثيف برنامجها النووي كإشارة تحدٍّ واضح.
الهجوم غير المسبوق في أبريل 2024، حين أطلقت إيران مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه أهداف في إسرائيل، في ردّ على قصف القنصلية الإيرانية في دمشق.
الحرب الحالية التي اندلعت منذ يومين (يونيو 2025)، والتي تمثل أخطر وأجرأ مواجهة مباشرة بين طهران وتل أبيب منذ عقود.
تفاصيل الحرب الأخيرة: 48 ساعة من التصعيد المكشوف
في يوم 13 يونيو 2025، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن قواته بدأت عملية عسكرية جديدة ضد مواقع عسكرية إسرائيلية، ردًا على عملية اغتيال طالت قائدًا عسكريًا كبيرًا في “فيلق القدس” قرب بغداد، وُجّه الاتهام بها إلى “إسرائيل”. هذه العملية فتحت باب التصعيد، ودفعت إيران إلى اتخاذ قرار بالرد المباشر.
طبيعة الهجوم الإيراني:
إطلاق عشرات الصواريخ الباليستية بعيدة المدى من داخل إيران.
استخدام أسراب من المسيّرات الانتحارية الدقيقة.
تنسيق ميداني مع حزب الله في الجنوب اللبناني، وفصائل المقاومة في غزة، وقوات من الحشد الشعبي في العراق.
انطلاق صواريخ من الجولان السوري باتجاه مستوطنات إسرائيلية شمال فلسطين.
الرد الإسرائيلي:
قصف مكثف على مواقع إيرانية ومراكز لحزب الله في سوريا ولبنان.
استهداف قواعد عسكرية في غرب إيران بطائرات F-35.
استنفار شامل لمنظومات القبة الحديدية ومقلاع داوود، لكن بعض الصواريخ الإيرانية تخطت الدفاعات وأصابت مواقع حساسة في النقب والقدس المحتلة.
إعلان حالة الطوارئ الكاملة في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإغلاق مدارس ومستشفيات شمالية، وفرض حظر تجوال في عدة مستوطنات.
الاشتباك لم يكن محدودًا، بل شمل جبهات متعددة في آنٍ واحد، مما أعجز “إسرائيل” عن الردع الفوري، وأثار تساؤلات داخلية حول مدى جاهزية جيشها لأي حرب شاملة.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
العالم تابع الموقف بقلق غير مسبوق:
الولايات المتحدة وبريطانيا سارعتا لدعوة الطرفين إلى “ضبط النفس”، لكن دون تدخل مباشر، ربما إدراكًا لحجم المخاطرة في مواجهة مفتوحة مع إيران.
روسيا والصين دعتا إلى “حل سياسي شامل في الشرق الأوسط”، في ما اعتبره البعض إشارة دعم ضمني لطهران.
الدول العربية انقسمت بين من التزم الصمت، ومن اتهم إيران بالتصعيد، بينما خرجت شعوب عربية في عدة مدن للتظاهر دعمًا لإيران ومحور المقاومة، خصوصًا في العراق، اليمن، تونس، ولبنان.
البعد الرمزي: كسر هيبة الاحتلال و”أسطورة الردع”
لقد تمكّنت إيران، عبر هذه الحرب، من توجيه ضربة قاسية لـ”أسطورة الردع الإسرائيلي”، التي طالما اعتمدت على التفوق الجوي والتكنولوجي والعمق الاستخباراتي. قدرة طهران على إيصال صواريخ دقيقة ومسيّرات إلى قلب المنشآت العسكرية داخل فلسطين المحتلة، أثبتت أن الاحتلال لم يعد آمنًا حتى داخل حدوده التي يفاخر بها.
إنها ليست فقط معركة سلاح، بل معركة كرامة وعقيدة، تسعى من خلالها إيران إلى إرسال رسالة مفادها أن العدو لا يُهزم بالكلمات، بل بالإرادة والقدرة والتنظيم.
الختام: إيران تكتب تاريخًا جديدًا… باسم الأمة كلها
قد لا يتفق الجميع مع سياسات إيران، وقد يُختلف معها في مشاريعها الإقليمية، لكن ما لا يمكن إنكاره اليوم هو أنها صارت عنوانًا للمواجهة المباشرة مع الاحتلال الصهيوني، في وقت تخلت فيه أنظمة كثيرة عن هذا الدور.
الحرب التي اندلعت قبل يومين ما زالت مفتوحة على احتمالات متعددة، لكنها في مضمونها لحظة وعي تاريخية، تعيد تشكيل المفاهيم، وتوقظ الروح التي كادت تموت.
لقد كتبت إيران، بقوة الردع وصوت الكرامة، فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة، فصلًا يقول للعرب والمسلمين: “من لا يملك سلاحه، لا يملك قراره… ومن لا يواجه الظلم، لن ينال احترام العالم ولا حتى احترام نفسه.”


