لم يكن المرحوم السيد مصطفى جمال الدين شاعراً قليل الشأن، بل كان فحلاً من فحول الشعراء، ذا منزلة عالية جدا، ولد سنة ١٩٢٧م في قرية المؤمنين من ريف سوق الشيوخ في المدينة التي أنجبت المبدعين من الشعراء والمفكرين والوطنيين والفنانين، الناصرية ذات التاريخ البهي، إذ تهيأ للشاعر جمال الدين أن يعيش في سنينه الأولى في كنف جده، وفي أواخر سنة ١٩٣٨م التحق شاعرنا بالجامع الهندي في النجف الأشرف يدرس (الإجرومية) ويحاول فهم (قطر الندى) لابن هشام و حفظ رجز (الألفية) لابن مالك، فمنذ ذلك العام وحتى هجرته عن العراق سنة ١٩٨٠م كان لبيئة هذه المدينة أثر واضح في حياته فقد قال فيها نثراً وشعراً، وبعد أن تيسر لي أن أقرأ دیوان جمال الدين وقفت على أثر البيئة والمكان ودلالتهما في شعره، يعد شكل المكان في النص الشعري إسلوباً فنياً لأنه يمكّن متلقي النص من الدخول الى العالم الشعري وإدراك معالمه، كما يبين في الوقت نفسه إسلوب الشاعر في استخدام أدواته الفنية في التعبير عن أفكاره ومشاعره وفهمه للحياة، ويحدد أيضاً مدى قدرته على إيصال تجربته الشعرية إلى المتلقي، فالبيئة والمكان يلعبان دوراً مهماً عند الشاعر فيقومان على علاقة وطيدة بين الإنسان وبيئته والمكان، إذ أن بين الإنسان والمدينة علاقة تشابه، فالمجتمعات كما تكون على صورة المدن التي تسكنها تكون المدن على صورة الإنسان الذي ينشئها، فمن المدن ما هو بدوي موحش ومنها ما هو أليف يستسلم لعشاقه من دون تحفظ، فقد حاول الشاعر جمال الدين وهو يستعيد ملامح الأمكنة الأولى، أن يعيد رسم تاريخ المكان والذاكرة والحلم قبل أن يتلاشى ويغيب، ثم قدم صورة المدينة وبيئتها وتأثيرهما عليه وعلى حياته، حتى صار ذكره للمكان يثير انتباه المتلقي ويشحذ حواسه للمشاركة في إدراك هذا الحضور العجيب لهذا المكان، وعليه فإن لكل مدينة معالم تميزها وتعطيها نكهتها وترسم شخصيتها وبالتالي تكون مدينة أليفة يشعر فيها الإنسان بالراحة والهناء، فالنجف الأشرف أعطت للشاعر صورة فنية ظهرت في ثنايا الديوان، درست معظمها موضحاً تأثير بيئة المدينة على شعره.
(إن من يكتب عن الشاعر مصطفى جمال جمال الدين ينبغي له أن يستعرض المرحلة التي عاش فيها وصحب أحداثها وأجيالها أيضاً، فالسيد جمال الدين لم يكن إبن مدينة بعينها، وإن كانت ولادته في قرية (المؤمنين) في ریف سوق الشيوخ بمحافظة الناصرية، ففي مراحل حياته أخذ علومه وصور حياته من بيئات مختلفة تفتحت فيها مداركة وأحاسيسه فانطلق من الريف الذي يتمتع ببراءة الطبيعة والأحاسيس والتصورات ثم انتقل إلى المدينة التي هي أكثر وعياً وتعقيداً، إلى النجف الأشرف وهي ملتقى العلماء والأدباء من جهة، وملتقى التيارات الفكرية من جهة أخرى، ولما كان السيد جمال الدين يتصف بقدرات و استعدادات عالية عرف بها منذ صغره، إستطاع أن يكون صوتاً مميزاً أينما حل، في الناصرية أو النجف أو بغداد أول مرة، ثم العراق والشام والخليج وباقي الآفاق بعد ذلك)[1].
ومدينة النجف الأشرف كانت المحطة المهمة في حياة الشاعر جمال الدين، إذ توافر لهذه المدينة ما قل أن يتوافر مثله لمدينة عراقية أخرى، يقول الدكتور حسن الخاقاني: (إذ نشأت فيها بيئة علمية أتاحت الفرصة الكبيرة للنهضة الأدبية، وقد غذى هذه النهضة وأمدها بعوامل الإستمرار من كان يفد الى هذه المدينة طالباً للعلم، ولا سيما من مدن العراق الجنوبية وسكانها أهل فطرة أدبية وجدت فرصتها للتهذيب والعقل والنمو، ومن ثم الظهور المتمكن من بيئة النجف العلمية الأدبية، ولو فحصنا أغلب الشعراء الذين طارت شهرتهم باسم مدينة النجف الأشرف لوجدنا أنهم قد وفدوا إليها من مدن أخرى، ثم استقروا فيها لتكون مسكناً لهم وآباؤهم أو أجدادهم الأدنون في أبعد تقدير، وهذا مما يحسب لهذه المدينة التي تستوعب من يفد إليها من غير أبنائها فتغذيه بزادها ثم تمنحه القدرة على الطيران بأجنحة الشهرة باسمها[2].
لهذه الأسباب وغيرها يقول السيد محمد حسن الطالقاني: (نجد في النجف ظاهرة تستلفت الأنظار بصورة مستمرة وبكل جلاء ووضوح، فقد ميزت النجف بوجه خاص بحيث لم تشاركها فيها غيرها من المدن العراقية، وهي كثرة تخريجها لمشاهير الشعراء وفحول الأدباء، فإنك لو قلبت بطون الكتب التاريخية وغربلت معاجم التراجم لما وجدت بلدة من البلدان القريبة تضاهي النجف في هذه الناحية الحساسة، فلقد ازدهرت بالشعراء طيلة القرون بشكل عجيب ولا سيما القرون الأربعة الأخيرة التي نبغ فيها شعراء اشتهروا في عالم الأدب شهرة ذائعة لم تتفق لأية بلدة من البلدان العربية الأخرى)[3].
إن النجف أعطت للشاعر مصطفى جمال الدين صورة فنية ظهرت في ثنايا الديوان، إذ كان يطلق عليها (المنبت الحقيقي)، ففي قصيدة عنوانها (للإمام وللنجف وللعراق) يتحدث فيها مع الوطن ويقول:
يا وطناً لو أن (الخلد) أزرى برونقه لقلت له حسودُ.
أديم تراك أروع ما نفدي ونبع رواك أنبل ما نرودُ
كأن حصاك ممتقعاً قلوب يقلبها على حزم صدودُ
وطيب نسيمك الساجي عتاب تهدهده على أمل وعودُ
أحبك بل أحبّ خشوع نفسي ببابك حين أحلم بي أعودُ
وأعشق فيك آهة كل قلب له بين الثرى غزل فقيدُ
وأيام مجسدة ورمىً يثرثر بالهوى ورمىً شهودُ
وكم بين الصخور رميم لهو تصيده الصبا فيما يصيدُ
تمر به فنقصر من خطانا مخافة أن يراع فم وجيدُ [4]
وحين تذكر رملة النجف بعد غربته الإجبارية عنها يناجيها وملء العين لهفة لها فيقول في قصيدة له عنوانها (من أمس الأمة الى غد):
يا رملة النجف الشريف تذكري ظمأ العيون ففي يديك الموردُ
حنت فكان لها بذكرك مسرح وشكت فكان لها برملك أثمدُ [5]
وفي القصيدة نفسها نرى أن الإحساس بالمكان لدى جمال الدين إحساس عنيف وشديد، وبخاصة وهو يتذكر دور مدينته وبيئتها في تربيته وتنشئته من نعومة أظفاره وحتى كهولته وشيخوخته فقد عاش الغربة والمرض معاً، فكان لديه الإحساس بالوطن فيقول:
أشرقت بي نوراً وغرسي ناعم وزهوت بي ثمراً وعودي أغيدُ
ووقيتني غرر الشباب فما التوت قدم ولا امتدت لنا قصداً يـــدُ
وغبرت بي نهر الكهولة لم يضق ذرعاً بصاريتي الشراع المجهدُ
حتى إذا (الستون) أثقل جذعها ثلج الشتاء وباح ذاك المـــوقدُ
الفيتني وملاب رملك في مدى عيني من زهر الكواكب أبعدُ
ووجدتني أنأى وأحمل في دمي مـــن ذكرياتك مـــا به أتجلدُ [6]
والشاعر حتماً يميل بوعي أولا وعي إلى تأسيس خصوصيته التي هي أهم سمة شعرية من سمات الشاعر، فكان الشعر ولا يزال المعبر الوحيد عما يجيش في الأعماق من مشاعر جياشة يفصح بها الشاعر عن حبه واعتزازه وتمسكه بالوطن، فيعد الشاعر مصطفى جمال الدين مدينة النجف عاصمة للمرجعية الدينية وموئلاً للعلماء، لما لها من حضور قوي ومؤثر على صعيدي التنظيم والفعل في العديد من الثورات والإنتفاضات الجهادية الإسلامية الفكرية والسياسية داخل العراق وخارجه، فإعلان الجهاد في ثورة العشرين خير مثال على ذلك، ولهذا يكثر جمال الدين من الإشارة الى مضامين الجهاد والنضال والثورة في ثنايا ديوانه، ويعود مرة أخرى إلى رملة النجف الأشرف لأن تمتلئ ورد (الجنينة الحمراء) القاني مذكراً بدماء الأئمة الشهداء وغيرهم من الدماء الطاهرة التي ضمخت حركة التاريخ لتبقى كلمة الحق حية ضاجه بالحركة مدوية محركة فاعلة فيقول:
والغراس التي تفتق عطراً بين أوراقها دم الأنبياء
رویت من دماء (علي) بكوفان ورهط (الحسين) في كربلاء [7]
ثم ينتقل الشاعر جمال الدين إلى مدينة أخرى ويقول فيها شعره المعبر، ففي قصيدة (بغداد) التي نظمها تحية لها في عيدها الألفي دلالة أخرى من البيئة والمكان التي يخاطبهما فيستعرض فيها صور (العصر الذهبي) لهذه المدينة في الحكم والسياسة والعلم والأدب والفن وغيرها.
ومن خلال ما تقدم فالقصيدة الشعرية عند السيد مصطفى جمال الدين، قصيدة الكثافة الشعرية التي لا تقطر إلا دلالات وصوراً ودهشة وانفعالاً، قصيدته برق من الشعر، وهو شاعر في الطليعة بين أخدانة، فقد أجاد في الأنواع الشعرية التي طرقها إذ يحفل شعره بالترف اللغوي والصور الجديدة الشفافة، وعذوبة ألحانه الموقعة على قيثارة عبقريته [8]،
لقد جيل جمال الدين ليخرج عن وحدة البيت الى وحدة الموضوع والقصيدة والصور المركبة التي تستغرق مقطعاً أو بعض مقطع، واختيار اللفظة الرائعة المشرفة في قبال الوحشية، وكان شعره مرآة وشاهداً لرؤيته الى الوجود الواقع، والحامل لهموم وآلام شعبه وأمته، وتحمل في سبيل ذلك الأذى، وذاق مرارة الغربة أعواماً طويلة [9]،
كان الشاعر السيد مصطفى جمال الدين يعنى بشعره ويهتم بتنقيحه وتهذيبه ولا يعجل نشره يخطف حسناً بالمثير ويثير دهشة نفوسنا بالمبتكر بعد أن يرحل بنا في اللا مألوف والمتحرك في الحياة ، قصيدة الشاعر جمال الدين صرخة الإنسان العراقي الباحث عن الحرية والخلاص بوجه الظلم والطغيان.
هوامش البحث
[1] – زاهد، زهير غازي: من مقدمة كتاب (مصطفى جمال الدين صور وظواهر لغوية في شعره)، تحسين فاضل المشهدي، المكتبة الأدبية المختصة، زهير نمازي:٣، ط1، 2006م، ص13.
[2] – الخاقاني، حسن (الدكتور): أبحاث في الأدب النجفي، بغداد، ٢٠١٧، ص29.
[3] – ديوان السيد موسى الطالقاني: تحقيق محمد حسن الطالقاني، مطبعة الغري الحديثة، النجف، ط 1، ١٩٥٧، ص23.
[4] – الديوان: مصطفى جمال الدين، دار المؤرخ العربي، بيروت، ١٩٩٥، ص77.
[5] – المرجع نفسه: ص 124.
[6] – نفسه: ص 125.
[7] – نفسه: ص 188.
[8] – سيد النخيل المقفى: المكتبة الأدبية المختصة، ط ١، ١٤١٨هـ، ص ٧٣.
[9] – الديوان: المرجع السابق، ص ٢٧.



One Response
موضوع راقي رحم الله والديك استاذ باقر الكراسي الحبيب