بدايات التاريخ ومراحل التدوين التاريخي في بلاد الرافدين

بدايات التاريخ ومراحل التدوين التاريخي في بلاد الرافدين
إن موضوع بداية التاريخ والتدوين التاريخي كان موضع اهتمام الباحثين في هذا المجال من حيث  متى ابتداء التدوين ومن هم أول من دونُ التاريخ،  فلقد كان هناك اعتقاد لدى المؤرخين والباحثين...

إن موضوع بداية التاريخ والتدوين التاريخي كان موضع اهتمام الباحثين في هذا المجال من حيث  متى ابتداء التدوين ومن هم أول من دونُ التاريخ،  فلقد كان هناك اعتقاد لدى المؤرخين والباحثين حتى وقت ليس ببعيد أن بدايات التاريخ والتدوين التاريخي كانت في بلاد اليونان على يد المؤرخ هيرودوتس من القرن الرابع قبل الميلاد، أوضحت المكتشفات الأثرية الحديثة في العراق وقراءة النصوص المسمارية السومرية والأكادية الكثيرة، فلقد بينت بشكل واضح بانه كان للعراقيين القدماء السبق في هذا المجال كغيره من مجالات العلم والمعرفة، ورغم ان المفاهيم والقواعد العلمية الحديثة في تدوين التاريخ، كالنقد والتفسير والتحليل لم تكن معروفة آنذاك، إلا إنه برز عندهم أهم الأهداف التي تميز التاريخ بوجه عام تلك هي ((الحس التاريخي))، أي الاهتمام بتسجيل تجارب الأجيال الماضية وخبراتها ومنها أعمال الملوك ومحاولة تفسير التاريخ البشري العام بالرموز الأسطورية مثل خلق الإنسان ومكانته في نظام الكون والحياة وظهور المجتمع وأنظمة الحكم وغيرها من الأمور العامة في حياة البشر.

ومن أجل معرفة طرق التدوين لدى العراقيين لابد لنا من التعرف على الأسلوب الذي اتبعوه في التقويم وتثبيت التسلسل للسنين، ويعتبر هذا الأسلوب الأساس الذي انبثق منه أسلوب التدوين التاريخي، فلم يكن لدى العراقيين حدث هام معين يتخذونه كنقطة ثابتة للتاريخ، كميلاد السيد المسيح أو الهجرة المباركة للرسول الكريم، كما انهم لم يفطنوا إلى إمكانية استخدام مثل هذا الأسلوب في التاريخ، فلقد استخدموا حادثة الطوفان كحد فاصل بين التاريخ القديم والتاريخ الحديث، فلذلك كانوا يؤرخون السنين بالحوادث المهمة تمامًا، فيسمون كل سنة بأشهر حادثة وقعت فيها أو في السنة السابقة لها عندها تؤرخ جميع تلك المعاملات والوقائع باسم تلك السنة، وكان يعمد الملك  تعميمها على جميع الأقاليم والمناطق التابعة لمملكته في شهر نيسان من كل سنة، مثل ((السنة التي هجم فيها حمورابي على اشنونا)) وغيرها من الأحداث، وضلت هذه الطريقة شائعة حتى نهاية العهد البابلي القديم، ومنذ بداية حكم السلالة الكشية، أدخل الكشيون طريقة جديدة في التدوين هي تسمية السنين استنادًا إلى تسلسل سنين حكم الملوك فتسمى السنة الأولى من حكم الملك كوريكالزو، مثلًا، والسنة الثانية وهكذا. وضلت هذه الطريقة متبعة حتى العهد السلوقي في العراق، غير أن الآشوريين استخدموا طريقة أخرى في تسمية السنين وذلك بتسميتها باسم من يشغل وظيفة اللمو في البلاط الاشوري.

وكانت هذه الوظيفة من الوظائف المهمة في البلاط الاشوري، كان يشغلها كل سنة أحد كبار الموظفين، وكان الملك يشغلها في السنة الأولى من حكمه، وعليه يتم معرفة تسلسل تلك السنين من شاغليها، ولقد كان هناك نوع آخر من النصوص التاريخية التي خلفها لنا الآشوريين تعرف لدى الباحثين باسم (التاريخ التعاصري) حيث ذكر فيها أسماء الملوك الاشوريين وإلى جانبهم معاصريهم من الملوك البابليين مع إيجاز العلاقات السياسية بين بابل وآشور، اما بالنسبة للكتبة البابليون فلقد دونوا نوعا مهما اخر من التاريخ هو التاريخ المنظم المتسلسل بتسلسل السنين أي الحوليات ودونوا أهم الأخبار والأحداث في بلاد بابل واشور، ويعرف هذا التدوين بالتواريخ البابلية، فلقد خلف لنا البابليون والآشوريون نصوصاً مطولة عن مأثر الملوك والأمراء الذين شغفوا بتخليد أعمالهم العمرانية وحملاتهم العسكرية فدونوها على تماثيل ونصب واللواح جدارية أو كتبوها على هيئة رسائل وتقارير موجهة إلى الآلهة، ولابد لنا من الإشارة إلى مؤرخ بابلي كتب تاريخ البلاد باللغة الإغريقية وعرف باسم (برعوشا)  وعاش في القرن الثالث قبل الميلاد ولقد فقد أصل كتابه ولكن حفظت مقتبسات منه في المصادر اليونانية القديمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *