لم يكن الهجوم الأمريكي على إيران حدثًا عسكريًا معزولًا، بل مثّل نقطة تحوّل استراتيجية أدخلت منطقة الخليج في مرحلة جديدة من عدم اليقين الجيوسياسي والاضطراب الاقتصادي. فمن منظور اقتصاديات الأمن الإقليمي، لا تُقاس آثار الحرب فقط بحجم الدمار العسكري، بل بمدى انعكاسها على أسواق الطاقة، والتجارة البحرية، والاستثمار الأجنبي، وثقة الأسواق المالية. إن دول المنطقة، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على استقرار الخليج وأمن طرق الملاحة، وجدت نفسها تدفع كلفة صراع لم تكن هي الطرف المباشر في إشعاله. وفي ظل عبور نحو خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية عبر مضيق هرمز، فإن أي تصعيد عسكري في محيط إيران يتحول فورًا إلى أزمة اقتصادية إقليمية ودولية.
أولًا: شرح الحدث وتداعياته المباشرة
لم يقتصر الأمر على توجيه ضربات عسكرية إلى أهداف داخل إيران، بل امتد ليُدخل الإقليم بأكمله في دائرة تصعيد مفتوح. فقد أدّت الهجمات وما تبعها من تهديدات وردود محتملة إلى حالة من الارتباك في الموانئ والمطارات، وارتفاع أقساط التأمين على السفن، وتعطّل جزئي في بعض الأنشطة اللوجستية والمالية في عدد من دول الخليج. إن تحويل الخليج من ممرٍّ آمن نسبيًا للطاقة والتجارة إلى فضاء عالي المخاطر يعكس حجم التحول الذي أحدثه القرار باللجوء إلى الخيار العسكري.
ثانيًا: الكارثة الاقتصادية المتشكّلة
أصابت الصدمة الأولى أسواق النفط والغاز. فمجرد احتمال تعطّل الملاحة في مضيق هرمز كفيل بدفع الأسعار نحو الارتفاع، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة الضغوط التضخمية في الاقتصادات المستوردة للطاقة. أما الدول المصدّرة للنفط في الخليج، فصحيح أن ارتفاع الأسعار قد يحقق لها إيرادات آنية أكبر، إلا أن هذا الربح الاسمي يترافق مع مخاطر استراتيجية أكبر تتعلق باستدامة التصدير، وحماية البنية التحتية، وثقة المستثمرين.
الصدمة الثانية تمثلت في اضطراب سلاسل الإمداد والتجارة. فاقتصادات مثل الإمارات تعتمد بصورة أساسية على دورها كمركز لوجستي ومالي عالمي. وكلما ارتفع منسوب المخاطر الأمنية، تراجعت جاذبية المنطقة كمركز استثمار وتجارة. كما أن فكرة الالتفاف الكامل على مضيق هرمز عبر خطوط أنابيب بديلة أو مشاريع بنى تحتية جديدة لا تمثل حلًا واقعيًا في المدى القصير، نظرًا لمحدودية القدرة الاستيعابية لهذه البدائل، فضلًا عن هشاشتها الأمنية أمام الهجمات غير التقليدية.
أما الصدمة الثالثة فهي مالية – نفسية بالدرجة الأولى، إذ تتأثر الأسواق بالتصورات بقدر تأثرها بالوقائع. ومع تزايد الحديث عن حرب ممتدة، تميل رؤوس الأموال إلى التحوّط، وتؤجل المشاريع الاستثمارية، وترتفع كلفة التمويل. وهذه التداعيات تمثل خطرًا بالغًا على الاقتصادات الهشّة أو المعتمدة بشدة على النفط، ومنها العراق، الذي يعتمد بنسبة تقارب 90% من إيراداته العامة على الصادرات النفطية، ما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار والمخاطر الجيوسياسية في آن واحد.
ثالثًا: من يتحمل مسؤولية الأزمة؟
من منظور نقدي، تتحمل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية أساسية في دفع المنطقة نحو هذا التصعيد، إذ كان بالإمكان توسيع هامش التفاوض مع إيران وتقليل احتمالات المواجهة. إن تقارير صحفية أمريكية أشارت إلى وجود تباينات داخل واشنطن بشأن توصيف التهديد الإيراني باعتباره “وشيكًا”، ما عزز الانطباع بأن اللجوء إلى الخيار العسكري لم يكن حتميًا بالكامل، بل كان خيارًا سياسيًا – استراتيجيًا.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة بوصفه أحد العوامل المؤثرة في البيئة السياسية وصنع القرار. والمقصود هنا ليس طرحًا تبسيطيًا أو نظرية مؤامرة، بل الإشارة إلى شبكات ضغط سياسية ومالية وإعلامية منظمة، مثل AIPAC، التي لعبت دورًا ملموسًا في دعم السياسات المتشددة تجاه إيران، وفي التأثير على الخطاب العام داخل الكونغرس. غير أن التحليل الرصين يقتضي التأكيد أن هذا العامل يمثل عنصرًا معززًا ضمن منظومة أوسع من الاعتبارات الاستراتيجية الأمريكية، وليس سببًا أحاديًا للحرب.
رابعًا: ماذا ينبغي على دول المنطقة أن تفعل؟
أولًا، يتعين على الدول العربية، ولا سيما دول الخليج والعراق، التحرك دبلوماسيًا بشكل منسّق للضغط باتجاه وقف التصعيد والعودة إلى مسار التفاوض. فاستمرار الحرب لن يحقق مكاسب استراتيجية مستدامة لأي من دول المنطقة، بل سيعمّق حالة عدم اليقين الاقتصادي.
ثانيًا، يجب إعادة تقييم نمط الاعتماد الأمني المفرط على القوى الخارجية. فوجود قواعد عسكرية أجنبية في سياق تصعيد إقليمي واسع قد يحوّل أراضي الدول المضيفة إلى أهداف مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يضاعف المخاطر الاقتصادية والأمنية.
ثالثًا، ينبغي تعزيز مناعة الاقتصاد الإقليمي عبر تنويع مصادر الدخل، وتطوير الاحتياطيات الاستراتيجية، وتحسين حماية البنية التحتية الحيوية، وبناء آليات إقليمية لإدارة الأزمات. غير أن هذه الإجراءات تظل تدابير تخفيفية، لا بديلًا عن استعادة الاستقرار السياسي.
رابعًا، على دول المنطقة أن تتبنى خطابًا إعلاميًا ودبلوماسيًا يركز على أولوية الاستقرار والتنمية، وأن تعارض السياسات التي تدفع نحو عسكرة الإقليم. إن تقليص نفوذ الخطابات التصعيدية، أياً كان مصدرها، يمثل شرطًا ضروريًا للحفاظ على المصالح الاقتصادية الجماعية.
إن الحرب ضد إيران لم تبقَ محصورة في حدودها الجغرافية، بل تحولت إلى أزمة إقليمية تهدد أسس النمو الاقتصادي في الخليج. وبينما قد تختلف التفسيرات السياسية، فإن الثابت اقتصاديًا هو أن كلفة عدم الاستقرار تفوق بكثير أي مكاسب آنية محتملة. إن مسؤولية القوى التي اختارت مسار التصعيد واضحة، غير أن مسؤولية دول المنطقة تكمن اليوم في حماية مصالحها، والضغط نحو إنهاء الحرب، وبناء نظام إقليمي قائم على الاستقرار والتعاون الاقتصادي، لا على منطق المواجهة المفتوحة.


