الجغرافيا من المكونات الصلدة للهُوّية ، وهي رافد من روافد الشخصية الوطنية ، ومن أهم أركان الهُوّية الوطنية الإيرانية وعناصرها . لكنها لم تحظ بحظ وافر من الدراسات والبحوث في إيران . ويمكن تشبيه الجغرافيا بأنها وعاء الهُوّية الإيرانية ، وأنها كتاب حوي جميع الصفحات الداخلية والمظاهر الخارجية للإيرانيين. وقد حافظ التاريخ علي الإيرانيين داخل الحدود الجغرافية التي يُطلق عليها اسم : إيران ، وكان للإسلام والحداثة دور في تغيير جغرافية إيران وتاريخها ، ولعب الشعراء والفنانون والمؤرخون دوراً بارزاً في الحفاظ علي الهُوّية الإيرانية علي مر العصور والحقب . وعلي الرغم مما حدث لإيران علي يد المغيرين الأجانب والقبائل والأسر المحلية ، إلا أن مصباح الهُوّية الإيرانية ظل مضاءً ، وكانت الجغرافيا ( الأرض ) والتاريخ ودولة إيران حراساً للهُوّية الإيرانية .
وبحكم الموقع الجغرافي وتحت تأثيره ، كانت إيران مُعرضة دائماً للصراعات والغارات ، وكان الإيرانيون يفكرون دوماً في الخلاص من التهديدات والمخاطر الخارجية ومن الفقر والكساد الداخلي ، وكانت محاولات الإيرانيين ومكابداتهم من أجل التغلب علي قهر الطبيعة وشر الأعداء ملفته للنظر إلي حد كبير . لدرجة أن بعض الكتاب الإيرانيين قال إن التوافق والوئام هما أروع إنجازات الإيرانيين، وقال البعض الآخر إن الإيرانيين يرحبون بما جاء به الآخرون أكثر من أي قوم آخرين . وقد لعبت الجغرافيا دوراً محورياً في تشكيل الهُوّية الإيرانية شأنها في ذلك شأن دول أخري ، مثل : بولندا والدولة العثمانية وفلسطين ، وكان الموقع الجغرافي سبباً في الهجوم الخارجي عليها في بعض الأوقات ، وسبباً في تغيير تركيبة المجتمع في هذه الدول . وللجغرافيا والأرض دور إيچاپي ودور سلبي في تشكيل الهُوّية وفي تغيير شكلها ، ومن إيچاپيات الموقع الجغرافي الإيراني المتميز : ميل الإيرانيين إلي البحث عن الجديد ، والأخذ بأساليب الحداثة والرغبة في الخلق والإبداع في المجالات السياسية والاجتماعية والتجارية . ووجود دولة مثل : إيران في ملتقي طرق الأقوام والشعوب طوال مراحل التاريخ ، يضمن لها تبادل التجارب والخبرات ، ويتيح الفرصة لمعرفة نقاط القوة ونقاط الضعف المحلية . وكان لعنصر الجغرافيا تأثير ملموس في اكتساب الإيرانيين المزيد من التجارب والخبرات في الشئون.
الإدارية ، وفي مجال تحصيل الضرائب والعائدات وإدارة الشئون المالية ، وشق القنوات والمجاري المائية ، وإقامة الحدائق الغّناء ، وصنع المنتجات الفنية من المواد الطبيعية ، وصناعة أشياء من عظام الحيوانات ، والتبادل الثقافي مع العابرين من الأراضي الإيرانية . وقد ساعد الموقع الجغرافي والوضع الطبيعي لإيران علي انتقال الثقافة واللغة والحضارة والأفكار الإيرانية إلي الشعوب المجاورة ، كما استلهم الإيرانيون العناصر الإيجابية والمفيدة من حضارات الدول المجاورة وثقافاتهم .
وإذا كان الموقع الجغرافي لإيران قد ساهم في تأثر دول العالم بالفنون الإيرانية المتعددة ، مثل : النسج ( السجاجيد والبُسط والحرير ) والتعدين والنقش (الرسم) ، وساعد علي تصدير سلع إيرانية مثل : المنسوجات والفاكهة المجففة والطحين ، فإن هذا الموقع كانت له تبعات وتداعيات أثرت بالسلب علي.
الإيرانيين ، فعمران إيران جذب انتباه جيرانها المحرومين إليها ، وتنطبق هذه الحقيقة علي هجوم المغول والأوزيك ابتداءً ، وهجوم صدام حسين علي إيران انتهاءً . ولمواجهة أطماع الآخرين ، اهتم حكام إيران خلال القرن الماضي بالتسلح بالأسلحة الرادعة ، وقدموا مبدأ الاستقلال والأمن علي سياسة التعمير والبناء . ويمكننا إجمال الأسباب التي جعلت إيران معرضة للخطر بصفة دائمة ، وهذه الأسباب هي : الموقع الجغرافي الإيراني الحالي ( مجاورة إيران لـ 15 دولة تموج بالأحداث ، منها : أفغانستان – باكستان – أرمينيا – أذربيجان – العراق – تركيا – تركمنستان – روسيا – السعودية – الكويت – البحرين ) – التركيبة الجيوسياسية – المجتمع المتنوع – السابقة والأصل العريق – الثراء الطبيعي ( النفط – الغاز – المياه – الخشب – النحاس – التراب وما شابه ذلك – الثقافة – الحضارة ( ازدهار الفكر الفلسفي – امتلاك طبيعة مدنية وعلاقات تاريخية ) . وهذا كله كان سبباً في حروب دامية من أجل المحافظة علي الحدود والقيم الوطنية . ويضيف البعض أسباباً أخري لتعرض حدود إيران للجزر والمد ، وهي : فتوحات السلاطين الإيرانيين – الضعف السياسي والعسكري – تنافس الإمبراطوريات والقوي العالمية العظمي علي النفوذ في إيران .
وتساعد دراسة حالات الجزر والمد الجغرافي الإيرانية علي الوقوف علي كيفية التغيير الذي طرأ علي الحدود وعلي الهُوّية الإيرانية . وقد ذكر المؤرخون الإيرانيون أن مساحة إيران امتدت في وقت من الأوقات من مصر إلي الهند ، وأن الجغرافيا الطبيعية الإيرانية شهدت أقصي اتساع لها في العصر الهخامنشي.
( 550- 330 ق.م ) وبخاصة في عهد كوروش الكبير وابنه كمبوجيه ( قمبيز ) اللذين اشتهرا بفتوحاتهما وغزواتهما العديدة . ثم حكم اليونانيون إيران بعد إسقاط الهخامنشين علي يد الاسكندر المقدوني في عام 330 ق.م ، ثم حكم السلوقيون أجزاء مهمة من الأراضي الإيرانية في عام 323 ق.م ، إلي أن جاء الأشكانيون وتمكنوا من تحرير الأراضي الإيرانية من قبضة السلوقيين في عام 129 ق.م ، وكان الصراع والتنافس محتدمين بين الإمبراطورية الإيرانية والإمبراطورية الرومانية خلال فترة حكم الأشكانيين التي استمرت حوالي (470) عاماً ، لكن الرومان لم ينجحوا في أي وقت من الأوقات في ضم أي جزء من الأراضي الإيرانية المتسعة الأرجاء إلي حيزهم الجغرافي ، واعتبرت الإمبراطورية الأشكانية – آنذاك – سادس إمبراطورية كبري في العالم القديم ، وأعقب الساسانيون الأشكانيين ، واستمر حكمهم لإيران (426) عاماً ، وقد شهدت هذه المرحلة عدم وجود قلاقل وتحركات من قبل مناطق الحكم الذاتي ، كما شهدت وحدة أرضية ملحوظة كانت مفتقدة أثناء حكم السلوقيين والأشكانيين ، كما شهدت ارتباطاً بين الدين والدولة ، وقويت الهُوّية الإيرانية في عهد الساسانيين
وتجذرت ، وتم إحياء الهُوّية الإيرانية : ( المعمار – الفن – الموسيقي – نسج الأساطير ) بسبب عدم وجود تهديدات خارجية حقيقية ، وحققت الإمبراطورية الساسانية إتساعاً خارجياً ونفوذاً داخلياً . إلا أن الفساد والتمييز العنصري كانا سائدين في جميع أنحاء الإمبراطورية ، إلي أن سيطر الجيش الإسلامي علي جميع أنحاء إيران ، وقبل الإيرانيون دين الإسلام ، وحافظوا علي بعض عناصر.
هويتهم ، مثل : العادات القديمة واللغة ، وتغيرت معالم بعض المناطق الجغرافية والأماكن التاريخية وأسماء بعض الأشخاص بعد أن اتخذ العديد من الإيرانيين أسماء عربية اختياراً أو خوفاً ، وتغيرت جميع عادات الإيرانيين وأعرافهم .
وتولي الإيرانيون الشئون المالية والإدارية في الدولة العباسية (132 – 656هـ ) ، وزاد نفوذهم الثقافي والاجتماعي والسياسي في العصر العباسي ، وكان طاهر (ذو اليمينين) أول حاكم إيراني مستقل في خراسان ، وجاء من بعد طاهر وأخلافه الصفاريون الذين رفعوا علم الاستقلال ، واستقلوا ببعض المدن الإيرانية ، ولعبوا دوراً بارزاً في إحياء الهُوّية الإيرانية بصفة عامة ، واللغة الفارسية بصفة خاصة ، وشجعوا الشعراء علي نظم الشعر باللغة الفارسية . وجاء من بعدهم السامانيون (261 – 389هـ) وحكموا بعض مناطق إيران ، ولعبوا دوراً في المحافظة علي الهُوّية الإيرانية ، وفي تكريس هذه الهُوّية ، وكانت المناطق التي يحكمها السامانيون تنتشر فيها اللغة الفارسية ” الدرية ” ومظاهر الثقافة والحضارة الإيرانية . وقد أعقب الزياريون (315 – 462 هـ) والبويهيون (320 – 440هـ) والغزنويون (388- 575هـ) السامانيين ، واستقل الزياريون بطبرستان والديلم ، واستقل البويهيون بمناطق شاسعة ، وكانوا أول من سيطر علي الخليفة السُني المذهب ، وكان عصرهم من الناحية الثقافية واحداً من العصور التاريخية التي ازدهرت فيها الهُوّية الإيرانية . وفي هذا العصر كشف الإيرانيون عن اختلافهم عن العرب في المذهب ، وهكذا أضافوا البعد المذهبي إلي الاختلافات القومية . أما الغزنويون فقد أقاموا إمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف لغتها هي : اللغة الفارسية ، ونشروا الإسلام في الهند ، وشجعوا علي النظم والتأليف باللغة الفارسية . وبعد الغزنويين الذين حكموا قرناً من الزمان ، أقام السلاجقة الأتراك أوسع وأقوي دولة إيرانية في عام 429هـ ، لكن عدم تمركز الحكومة السلجوقية كان سبباً في ظهور ملوك الطوائف والولايات شبه المستقلة ، وعين السلاجقة الأتابكة مندوبين عنهم في إدارة شئون الولايات ، إلي أن قام المغول بالقضاء علي الأتابكة وعلي الحكام الخوارزميين (470 – 617هـ) ، وأغاروا علي المدن الإيرانية الواحدة تلو الأخري ، وقضوا علي الحياتين : السياسية والاقتصادية ، علي الرغم من أن غازان خان الذي اعتنق الدين الإسلامي وخلفاءه قد قاموا ببعض الإصلاحات ثم قام التيموريون (771-903هـ) بالإغارة علي إيران ، وتبادلت قبيلتا قراقويونلو ( أصحاب الخراف السوداء ) ، وآق قويونلو ( أصحاب الخراف البيضاء ) حكم مناطق واسعة من إيران في القرنين : التاسع والعاشر الهجريين / الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين .
وظلت أحوال إيران علي هذا المنوال إلي أن أقام الصفويون
(906-1135هـ) أول دولة مركزية عظمي وموحدة في جميع أنحاء إيران بعد الإسلام، وحققوا القدرة السياسية المتمركزة في إيران بعد فقدانها منذ بضعه
قرون ، وأعادوا الانسجام إلي الهُوّية الوطنية الإيرانية . وهناك عوامل ساعدت علي الحفاظ علي جغرافية إيران الموحدة في العصر الصفوي ، وهي : نبوغ وشجاعة بعض الملوك ، مثل : الشاه عباس الكبير – رسمية وتقوية المذهب الشيعي في إيران – تقوية الصلات بين إيران والدول الأوروبية . وهذا كله حافظ علي أساس جغرافية الهُوّية الإيرانية من الأذي والهجوم والتهديدات المتوالية من جانب الأوزبك والعثمانيين . حكم الصفويون حوالي (222) عاماً ، حافظوا خلالها علي الهُوّية الإيرانية والوحدة الثقافية بالإضافة إلي الوحدة السياسية والاجتماعية والجغرافية في المجتمع الإيراني . ثم دالت دولتهم بسبب ما يسميه الإيرانيون بـ ” فتنه الأفغان ” التي هزت أركان المجتمع الإيراني بشدة في الفترة من عام (1135 إلي 1142هـ) ، وبسبب ضعف شاه سلطان حسين ( آخر ملوك الصفويين ) ، والاختلافات بين الحكام والقادة بصفة مستمرة ، وعدم الاهتمام بأمن الولايات البعيدة ، وتعيين حكام ظالمين علي المناطق التي يسكنها أتباع المذهب السُني .
وعلي الرغم من اتساع حدود إيران وامتدادها إلي الهند في عهد نادر شاه الأفشاري وأن مدة حكمه لم تستمر طويلاً ( من 1148 إلي 1160هـ ) إلا أنه طرد الأفغان ، وكون أول قوة بحرية حديثة ، ونجح في فرض سيطرة إيران علي جميع أنحاء الخليج . و حكم من بعده كريم خان زند (1163 – 1193هـ) الذي حاول إقامة دولة موحدة ، ونجح في إيجاد رفاهية اجتماعية واقتصادية نسبية ، لكن بوفاته استولي القاجار علي الحكم في إيران ، واتسعت جغرافية إيران في عهد القاجار الذين حكموا إيران من عام 1793 حتي عام 1925م ، وفي عهدهم أصبحت طهران عاصمة لإيران .
وفي العصر القاجاري انفصل جزء مهم من الأراضي الإيرانية ، يقول البعض إن هذا الجزء عبارة عن (17) مدينة غنية بالذهب في منطقة القوقاز ، وتم ضم هذه المدن إلي روسيا ، وذلك بعد إبرام اتفاقيتي جلستان (عام 1813م) وتركمانتشاي ( عام1828م ) بين روسيا وإيران ، وهما اتفاقيتان مُذلتان بسبب توجيهما ضربات ساحقة للعديد من عناصر الهُوّية الإيرانية . وقد حصل الروس علي حق الحصانة الدبلوماسية ( كاپيتولاسيون ) ، كما استولوا علي مناطق أخري في منطقة آسيا الوسطي ، واستولوا علي ” خيوة ” في عام 1873 م ، وفصلوا منطقة ما وراء النهر عن إيران تماماً في عام 1881 م واستولت انجلترا علي
أفغانستان ( هرات ) في شرق إيران ، وفصلت عدة مدن تقع شرق بلوشستان الحالية عن إيران . وعقدت إيران مع الدولة العثمانية عدداً من المعاهدات التي تم فيها ترسيم الحدود . وفي عام 1925م تولي رضا خان عرش إيران ، وتولي من بعده ابنه محمد رضا بهلوي لمدة (37) عاماً بدأت عام 1941م وانتهت عام 1979 . إلا أن سيادة إيران علي أراضيها لم تتغير تغيراً ملموساً في هذه الفترة، علي الرغم من نشوب الحربين : الأولي والثانية . فقط اتفق محمد رضا بهلوي مع بريطانيا علي اعتراف إيران باستقلال البحرين مقابل الاعتراف رسمياً بسيادة إيران علي جزر : أبو موسي وطنب الكبري وطنب الصغري الإماراتية وكانت الحروب والاتفاقيات التي تمت في العصرين القاجاري والبهلوي مع إنجلترا وروسيا (القيصرية) والاتحاد السوفيتي (السابق) والتي نتج عنها انفصال بعض المناطق عن إيران ، هي آخر ضربات وجهت إلي جسد إيران ، وصارت الجغرافيا السياسية الإيرانية بالشكل الحالي بسببها .
وبقيام الثورة الإسلامية في إيران في عام 1979م سقط الحكم البهلوي ، إلا أن حرباً نشبت بين إيران والعراق في عام 1980م ، واستمرت هذه الحرب حتي عام 1988م ، و كانت الحرب الإيرانية – العراقية أول حرب في تاريخ إيران تحدث في القرنين الأخيرين ، ولم تُجبر فيها إيران علي التنازل عن جزء من أراضيها .
وقد كان للتنوع الجغرافي في إيران أثر في تعدد وتنوع الثقافة والحضارة علي مر العصور . والواقع أن الحيز الجغرافي للثقافة والحضارة الإيرانية أكبر وأوسع من الحدود الجغرافية الرسمية لإيران الحالية ، فقد أثرت هذه الثقافة وهذه الحضارة علي منطقة تبدأ من آسيا الصغري ( تركيا الحالية ) وتمتد إلي منطقة بين النهرين والهند وآسيا الوسطي . وعلي الرغم من أن الحيز الجغرافي للثقافة والحضارة الإيرانية تعرض طوال المراحل التاريخية الإيرانية المليئة بالمد والجزر والانتصارات والانكسارات لتغيرات رئيسية ، إلا أن هذه الثقافة الثرية وهذه الحضارة المزدهرة قاومت أمام الهجمات التي شنتها القوميات والدول المختلفة ، وقد عوض الشعب الإيراني هزائمه السياسية والمذهبية بالفتح الثقافي والعلمي والأدبي . أي أنه بسبب الموقع الجغرافي والثقل السكاني والعمق الحضاري ، تجاوز الدور الإيراني حدود البلاد الجغرافية . وعلي الرغم من أن الحدود الجغرافية والسياسية الإيرانية قد تعرضت لتغيرات متعددة علي مر
التاريخ ، إلا أنه مما لا شك فيه أن هذه التغيرات كان لها تأثيرها علي الهُوّية الفردية والجماعية للإيرانيين .
ومما لا شك فيه أن البقاع لها تأثير في الطباع والأفكار والعقائد والفنون ، وأن للجغرافيا تأثير في السياسة الخارجية للدول ، وأن إيران دولة يتحدث تاريخها وتتحدث جغرافيتها ، وذلك علي الرغم من أن الموقع الجيوبولتيكي لإيران كان سبباً في تعرضها لهجوم أقوام مختلفين علي مر التاريخ ، وعلي الرغم من أن الهزائم العسكرية التي مُنيت بها إيران الفعّال في العصور التاريخية المختلفة وهجرة عدد كبير من الأقوام الأخري إلي إيران أحدثت تأثيراً وتغييراً في الكثير من المعادلات المرتبطة بعناصر الهُوّية القومية الإيرانية . وقد كان وقوع إيران في إحدي مناطق العالم الحساسة ( سياسياً واستراتيجياً واقتصادياً ) سبباً في حضور إيران الفعال والقوي في الساحتين الإقليمية والدولية ، وسبباً في منح المزيد من الأهمية لإيران ، فإيران تقع في منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية ، وهي تمتلك مصادر طاقة غنية ، وتهيمن علي الحدود الشمالية للخليج وبحر عمان ومضيق هرمز الذي يعد واحداً من أهم الممرات المائية في العالم ، ولديها احتياطي في الطاقة في بحر الخزر في شمال إيران ، وتجاور دولاً مهمة ، وهي قريبة من منطقة آسيا الوسطي والقوقاز التي تُعد من المناطق البكر للاستثمار الاقتصادي والسياسي والعسكري بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي ، وتُعد أكثر المسارات أمناً لنقل الطاقة من بحر الخزر .
وجدير بالذكر أن تنوع المحيط الجغرافي الإيراني أدي إلي ظهور أساليب معيشة متنوعة سواء في المدينة أو القرية أو أسلوب الترحال القبلي أو العشائري. بالإضافة إلي أن وجود المرتفعات الوعرة والصحراوات الشاسعة والصحاري الملحة الموجودة في وسط الهضبة الإيرانية أدي إلي ظهور تجمعات متفرقة في جميع أنحاء إيران ، وهي التجمعات التي أثرت الموانع الطبيعية في ارتباط واتصال بعضها بالبعض الآخر ، وخلقت نوعاً من الاكتفاء الذاتي في أساليب الحياة وأنماطها ، ولم يكن لهذا الاكتفاء الذاتي أبعاد اقتصادية فقط ، بل كانت له أبعاد ثقافية واجتماعية أيضاً ، فوجود اللغات واللهجات والعادات والتقاليد والثقافات المتنوعة في المجتمع الإيراني نتج عن هذا الوضع ، وبفعل عوامل الاكتفاء الثقافي والاجتماعي . وإذا كانت جغرافية إيران فرضت بعض الصفات والخصائص علي المجتمع الإيراني بسبب ثبات أوضاع الأرض والماء والهواء ، فإنها جلبت نوعاً من السيولة والديناميكية لهذا المجتمع . وعلي الرغم من وجود التنوع والتعدد في المجتمع الإيراني ، إلا أن هذا المجتمع مال نحو العناصر الموحدة والمؤلفة ، ومن أهم هذه العناصر : إجماع المجتمع الإيراني علي مقومات الحفاظ علي بقاء إيران وازدهارها وتقدمها . وتتمثل سائر العناصر في الجغرافيا (الأرض) – الثقافة – الدين – السياسة . وتوجد بين هذه العناصر رابطة عضوية ، علي النحو الذي يجعل كل عنصر منها مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالعنصر الآخر.
والإيرانيون يعدون إيران قلب العالم ، يقول نظامي الگنجوي
( المتوفي عام 614 هـ ) .
– همه عالم تن است وايران دل نيست گوينده زين قياس خجـل
– چون كه ايران دل زمين باشد دل زتـن به بـود يقين باشـد
الترجمة :
– العالم كله جسد وإيران قلبه ، ولا يخجل القائل من هذا القياس .
– لما كانت إيران هي قلب الأرض ، فمن اليقين أن القلب أفضل من الجسد .
كما يراها البعض ” أم القري ” بالنسبة للعالم الإسلامي ، من حيث إنها تقع في مركز الجغرافيا السياسية والجغرافيا السياسية والجغرافيا الاقتصادية والجغرافيا الثقافية في الدول الإسلامية .
بقي أن نذكر أنه علي الرغم من أن إيران سقطت سقوطاً كاملاً في بعض الفترات ( مثل فترة الفتح العربي الإسلامي وفترة غارة المغول ) ، لكن نظراً للقدرات الكامنة والموزعة ، وعدم قدرة المهاجمين علي السيطرة الدائمة والشاملة علي إيران ، أطلت الثقافة والجغرافيا الإيرانية برأسها بعد فترة من الزمان . وقد احتلت إيران دولاً أخري ، واحُتلت من جانب دول أخري في بعض المراحل التاريخية التي مرت بها . وامتدت مساحة إيران في وقت من الأوقات من مصر إلي الهند – كما ذكرنا – ، ووصلت هذه المساحة في الوقت الراهن إلي 1.648.000 كم2 ، وهي مساحة كبيرة ، ويصل طول حدودها إلي 8865 كم2. وتقع إيران جنوب غرب آسيا ، وهي دولة جبلية ، وسدس مساحتها – تقريباً – صحراء قاحلة ، وأكبر صحراوين تعرفان باسم : دشت لوت (الصحراء الخالية) ودشت كوير ( الصحراء المِلحة ) . وقد خضعت مساحة إيران للظروف السياسية مابين اتساع وانكماش حسب مقدرتها السياسية والعسكرية ، إلا أن المساحة الحالية تحوز كتلة حيوية متميزة علي صعيد الحجم الجغرافي والتعداد السكاني ، فضلاً عن موقع إيران المركزي والفريد في الشرق الأوسط ، وتراثها النفطي الكبير، ومكانتها الاستراتيجية المميزة في قارة أسيا وفي العالم الإسلامي .
ويطلق البعض مصطلح : ” الجغرافيا الافتراضية ” علي المناطق التي تأثرت في بعض المراحل التاريخية بثقافة وحضارة قوم آخرين ، لكن هذه المناطق مازالت تحافظ علي آثار حضارتها السابقة ، وقد ذكرنا من قبل أن الثقافة والحضارة الإيرانية تجاوزت الحدود الجغرافية الرسمية الإيرانية ، وانتشرت وتنوعت خلال بضعة آلاف من السنوات في مساحة شاسعة من دول العالم المتحضر . وقد لعب موقع الهضبة الإيرانية الجغرافي دوراً كبيراً في الماضي وقبل الثورة الصناعية في عولمة الثقافة والحضارة الإيرانية من حيث الجغرافيا الافتراضية ، وذلك لأن أهم الطرق العالمية في ذلك العصر ، وهو ” طريق الحرير ” كان يمر من داخل الحدود الإيرانية ، وكان هذا الطريق يربط أبعد منطقة متحضرة في العالم (الصين) بأكبر منطقة تقع في أقصي الغرب في العالم المتحضر وهي : ( روما ) . وكانت الثقافة والحضارة الإيرانية تتفاعل مع غيرها من الثقافات الفاعلة في ذلك الزمان بفضل هذا الطريق الحيوي . لكن في العصور التالية تدخلت عوامل مثل : الخلاف الشيعي السُني بين إيران والعثمانيين من ناحية ، وإقامة حكومة شيوعية وبناء جدار حديدي في شمال إيران من ناحية أخري ، حصر الثقافة الإيرانية في الهضبة الإيرانية ، ثم في الحدود الفعلية الحالية لدولة إيران بعد ذلك .
ويؤكد الباحثون الإيرانيون علي أن ما حدث لإيران حدث لغيرها من شعوب الشرق ، فيقول أحدهم : فرضت علينا جميعاً سلسلة من الخطوط السياسية والحدود السياسية في القرنين الماضين ، ولما كانت هذه الخطوط قد فُرضت بوصفها خطوطاً سياسية عسكرية ، لم نستطع حتى الآن أن نتخذ أي إجراء ضد هذه الخطوط ، وعلي الرغم من أن هذه الخطوط فُرضت علينا نحن سكان المجتمع الشرقي الكبير وأقوام المنطقة ، لكن نحن نعلم أن هذه الخطوط ليست ثقافية ولا جغرافية ولا تاريخية ولا دينية .
ويقول باحث أخر قائلاً : في العقود الأخيرة قامت مسائل مثل سيل الهجرة خارج إيران بتقزيم دور الحيز الجغرافي في بحث الهُوّية ، فبعد قيام الثورة في عام 1979م سافر عدد كبير من الإيرانيين إلي الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية ، ويوجد الآن في الولايات المتحدة وحدها بضعة ملايين من الإيرانيين. هذا في الوقت الذي تري فيه باحثة ثالثة أن الارتباط وتعلق الخاطر بأرض الآباء والأجداد له مؤشرات متعددة ، منها : الاستعداد للدفاع عن هذه الأرض في أوقات الخطر – تفضيل المعيشة في هذه الأرض علي سائر بلاد العالم – عدم الرغبة في الهجرة إلي دولة أخري .
مراجع البحث :
- درآمدي برفرهنگ وهويت ايراني : به كوشش : مريم صنيع اجلال چاپ اول – تهران – 1384 هـ.ش .
- گفتارهايي درباره هويت ملي در ايران : گردآوري وتدوين داود مير محمدي – چاپ أول – تهران – 1383 هـ.ش .
- مباني هويت ايراني : دكتر / قدير نصري – چاپ أول – تهران – 1387 هـ.ش .


