وبحسب ما يرى الكاتب ـ سمير الخليل ـ وهو الاسم المستعار للدكتور كنعان مكية بحسب ما ذكره الهلالي في دراسته المذكورة آنفاً ان المفارقة هو ان تلك اللجنة قد شكلتها مديرية الامن العامة ، ولم تشكلها وزارة الاوقاف والشؤون الدينية او وزارة الثقافة والاعلام ، حتى انها تولت رفع تقاريرها وتعليقاتها الخاصة على مؤلفات السيد جاسم الى تلك المديرية مباشرة والحال ان هؤلاء الاساتذة ، وعلى راسهم الدكتور بشار عواد معروف ، يتحملون المسؤولية التاريخية والادبية لعملية الاعتقال والاعدام فيما بعد ، من خلال تلك التقارير الامنية والتوصيات غير العادلة ، مستمدين شرعيتهم من سلطة الخوف والقهر ، وليس من شرعية الحجة والدليل والفكر والحق والمبدأ.
وعلق ناشر هذه التقارير في صحيفة (الصباح) ، على هذا الموقف الامني قائلاً : (ان تطوع الدكتور بشار عواد معروف لخدمة طائفته فهذا حقه ، ولكن ان يصادر حق الاخرين في الكتابة عن طوائفهم فهذا استبداد ، وان يتطوع لكتابة تقارير عنهم قد تودي بحياة البعض منهم فهذه ممارسة بوليسية لا اخلاقية ، كما ان الدكتور بشار كان يستغل حزب البعث في التنكيل بمن يفكر من الطوائف الاخرى ، وهذه قمة الوصولية ، والقيادات البعثية تعلم بسلوكه هذا ولكنها كما هو معروف ربطت مصيرها بمصير طائفته ، فبشار لم يكن بعثيا ، ولكنه قاد عزيز السيد جاسم الى السجن من خلال تقاريره الامنية التي كان يكتبها على ورق الامانة العامة لمنظمة المؤتمر الاسلامي الشعبي).
وكانت اولى التقارير السرية الامنية التي رفعها الدكتور بشار عواد معروف الى مدير الامن العامة ، قد تضمنت بحسب وثائق الامن العامة : (قرأت الكتاب الموسوم (التقي عثمان بن عفان) من تأليف السيد عزيز السيد جاسم فوجدته كتابا حسن الوجهة في عرضه لقضايا التاريخ العربي والاسلامي …. وعلى الرغم من السرعة التي كتب بها الكتاب مما اثر على قيمته التاريخية ، فانه يحقق الهدف المنشود …. لذا اراه صالحا للنشر في العراق وغيره ، اذ ليس فيه ما يمس الامن القومي للعراق والامة العربية) اما بشان مسودة كتاب (ابو بكر الصديق ـ سلطة الايمان) فقد اكد بانه قد اطلع عليه ووجده (كتابا جيدا يتفق مع السلامة الفكرية وليس فيه ما يمس الامن القومي للعراق والامة العربية ووحدة الشعب العراقي). فيما تضمن تقريره حول كتاب (علي سلطة الحق) والذي صدر بتاريخ 30 / 7 / 1988 ، نقاطا عديدة منها قوله : (بان عزيز السيد جاسم قد نجح في تفسير ما وقع من فتن في صدر الاسلام بروح علمي وقومي واسلامي جيد بين فيه اثر العناصر الاجنبية في اذكاء هذا الصراع ونؤكد على مبدأ الشورى في اختيار الخليفة ، وهو ما يؤدي الى نفي التأثير الفارسي على التاريخ) وهذا يعني بان المبدأ الاخر في اختيار الخليفة أو الامام وهو (النص) الذي اعتمده الشيعة الامامية هو من التأثيرات الفارسية في اعراف الدكتور بشار . واما خاتمة التقرير فقد نصت بان (الكتاب فيه فوائد كثيرة يمكن الافادة منها في خدمة الاهداف المركزية لتحقيق الامن القومي للعراق والامة العربية).
فليحيا الامن القومي للعراق والامة العربية!!! على حساب مفكر حر كاد يفقد حياته بسبب هذا الحس الامني القومي! والطريفة المضحكة المبكية انه أي الدكتور الرقيب اعتذر لاحقاً للدكتور الموسوي عن التقارير ولا سيما ما يخص سلطة الحق ، ليس بسبب ما جاء فيها من افتراءات كادت تودي بحياة المؤلف وانما بسبب ما تعرض له الموسوي من اعتقال!.
اما الدكتور نزار الحديثي عميد معهد الدراسات القومية والاشتراكية ، فقد كانت ملاحظاته بشأن المسودات الاربع التي عرضت عليه بانها (من الناحية العلمية ـ باستثناء كتاب الامام علي ـ ضعيفة ، وغير صالحة للنشر بوضعها الحالي) وهذا يعني بان الحديثي قد يكون الاكثر نباهة من بين اعضاء اللجنة ، اذ علم ان هذه المسودات قد كتبت دونما قناعة او ايمان ، وتحت الضغط والاكراه ، ومن ثم سوف تكون ركيكة ، وغير صالحة للنشر . لكن مديرية الامن العامة لم تأخذ بهذا الرأي ، لانها لا تريد من المؤلف سوى الرضوخ والتنازل ، والاعتراف بالدور المتميزـ الذي تعتقده ـ للخلفاء الثلاثة الاوائل ، اسوة بالخليفة الرابع . وختم الدكتور الحديثي تقريره بما يشبه خاتمة الدكتور بشار عواد معروف بالقول (ان الكتب ليس فيها تعريض بأمن العراق او الاتجاهات السياسية والثقافية فيه).ولا نعرف هل كانوا يبحثون عن زلة هنا او هناك لعودة التصعيد؟ بمعنى اصح هل كان البراك يريد ولو مؤشراً بسيطاً في تلك الكتب الموضوعة بالاكراه وتنفيذا لأوامر صدام لكي يستغلها ويشعل الموقف الى غير رجعة؟ والا مامعنى تقارير (الخبراء) في مراجعة كتب وضعت داخل معتقلات الامن العام بأنها لا يوجد فيها ما يمس الامن القومي والوحدة العربية سوى ان هناك من كان يتمنى وجود ذلك لغاية في نفسه واقصد البراك. وهل كان المفكر عزيز السيد جاسم بهذه البساطة التي تعطيهم مثل هذه التلميحات؟ ربما كان البراك يراهن على كبرياء المفكر وعله يؤدي به الى ما يمكن استغلاله ضده في ظل تلك الاجواء المرعبة والمشحونة.
وقد تابع الدكتور الهلالي في دراسته ما ذهب اليه التقرير البوليسي للدكتور رشدي عليان فيذكر : ((انه وفي معرض تقييمه لمسودة كتاب (علي سلطة الحق) فقد تلبس دور الشرطي الخبير ، وليس الاستاذ الجامعي الخبير ، اذ قدم اقتراحات امنية مجانية لمديرية الامن العامة منها (ان يبقى العنوان السابق للكتاب دون زيادة او نقصان وهو (علي سلطة الحق) حتى لا يظن احد ان هذا كتاب اخر ، وان المؤلف قد ارغم على التنقيح ، وان يطبع في المطبعة ذاتها التي طبع فيها سابقا وان يكون الغلاف بنفس الالوان حتى في حالة التخلص من الطبعة السابقة او ايقاف تداولها).وفقاً لوثائق الامن العامة ايضاً والتي ذكرت نصوص التقارير الواردة.
ثم ختم الدكتور عليان تقريره الامني بالقول : (نظرا لتوفر السلامة الفكرية في هذه المسودة وخلوها مما قد يساء فهمه او يوظف في الاثارة الطائفية فلا مانع من طبع المسودة وتداولها).


