ماذا بعد اغلاق مضيق هرمز؟ هل يدفع المواطن العراقي الثمن مجددا. ام للحكومة بدائل استراتيجية لاحتواء الازمة.

ماذا بعد اغلاق مضيق هرمز؟ هل يدفع المواطن العراقي الثمن مجددا. ام للحكومة بدائل استراتيجية لاحتواء الازمة.
يُظهر إغلاق مضيق هرمز هشاشة الاقتصاد العراقي الريعي؛ إذ ينخفض الإيراد النفطي، ويُستنزف الاحتياطي الأجنبي، ويهتز سعر الصرف. البدائل الحالية (كركوك-جيهان، البصرة-العقبة) غير كافية، فلا مناص من تنويع الاقتصاد وإصلاح السياسات المالية لتحمّل المواطن التداعيات...

يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية القادمة من دول الخليج العربي نحو الأسواق الدولية تقدر ب21%من الصادرات النفطية العالمية. وتمثل اهميته للعراق من كونه المنفذ الرئيس لتصدير النفط الخام عبر موانئ البصرة الجنوبية، التي تشكل العمود الفقري للإيرادات العامة للدولة العراقية. ومن ثم فإن أي اضطراب أمني أو عسكري يؤدي إلى تعطيل الملاحة في المضيق ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العراقي، اذ يعتمد العراق على النفط بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات العامة، وتمثل العائدات النفطية النسبة الأكبر من موارد الموازنة العامة، فضلًا عن اعتماد الدولة على الدولار النفطي في تمويل الاستيرادات والحفاظ على استقرار سعر الصرف. وتتركز معظم صادرات العراق النفطية في الحقول الجنوبية التي يتم تصديرها عبر الخليج العربي، الأمر الذي يجعل مضيق هرمز حلقة حيوية في دورة الاقتصاد العراقي. .وفي ظل التوترات الإقليمية القائمة و إغلاق المضيق المستمر من شهرين تقريبا ، يبرز تساؤل جوهري مهم يتعلق بمدى قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة مثل هذه الصدمات، وما إذا كانت الحكومة تمتلك بدائل استراتيجية وخططًا واقعية لاحتواء الأزمة وتقليل آثارها المالية والاجتماعية.

هشاشة الاقتصاد الريعي أمام الازمات الخارجية

تكشف أزمة إغلاق المضيق عن الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي، حيث يعتمد النشاط الاقتصادي بصورة كبيرة على الإنفاق الحكومي الممول من النفط، في مقابل ضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى كالصناعة والزراعة والسياحة والخدمات الحديثة.

ويؤدي هذا النمط الاقتصادي إلى ارتفاع مستوى الهشاشة المالية، لأن أي انخفاض في الصادرات النفطية أو أسعار النفط ينعكس مباشرة على: قدرة الدولة على الإنفاق العام.و مستويات التشغيل والدخل. والاستقرار النقدي وسعر صرف الدينار. و النشاط التجاري في الأسواق المحلية. كما أن اتساع حجم النفقات التشغيلية، ولا سيما الرواتب والدعم الحكومي، يزيد من صعوبة إدارة الأزمات المالية، خصوصًا في ظل محدودية الإيرادات غير النفطية. وفي حال استمرار الاغلاق الكلي أو جزئي لمضيق هرمز، فإن  اعراض الازمة تظهر على الاقتصاد العراقي  كتداعيات فورية، أبرزها:

  1. تراجع الإيرادات النفطية

يشكل النفط المصدر الرئيس للعملة الأجنبية، وبالتالي فإن تعطل الصادرات يؤدي إلى انخفاض التدفقات الدولارية الداخلة إلى الاقتصاد.

  1. الضغط على احتياطيات العملة الاجنبية

يضطر البنك المركزي إلى استخدام الاحتياطي الأجنبي للحفاظ على استقرار سعر الصرف وتمويل الاستيرادات، مما قد يؤدي إلى تآكل الاحتياطيات إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة. لان الاحتياطي النقدي لا يمثل حلًا دائمًا، لأن استنزافه المستمر دون وجود تدفقات نفطية كافية قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالاقتصاد المحلي وزيادة المخاطر المالية. لذلك فإن فعالية الاحتياطي ترتبط بمدة الأزمة وحجم الصادرات المتوقفة وإجراءات الإدارة الاقتصادية المصاحبة.

  1. اضطراب سعر الصرف

يؤدي انخفاض المعروض من الدولار إلى ارتفاع الطلب عليه داخل السوق المحلية، وهو ما ينعكس على قيمة الدينار ومستويات التضخم. وهذا بداءت ملامحة تظهر حاليا في السوق الموازي.

  1. ارتفاع الأسعار

يعتمد العراق بصورة كبيرة على الاستيراد، ولذلك فإن أي اضطراب في تدفقات الدولار أو التجارة الخارجية يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وزيادة الأعباء المعيشية على المواطنين. وهذا واقع حال يعيشه الشعب العراقي مع كل ازمة عالمية .

  1. تعثر المشاريع الاستثمارية

تلجأ الحكومات عادة في الأزمات إلى تقليص الإنفاق الاستثماري وتأجيل المشاريع الجديدة من أجل الحفاظ على النفقات التشغيلية الأساسية.

البدائل الاستراتيجية المتاحة للعراق وليس بالضرورة مستغلة حاليا

  1. خط التصدير عبر تركيا

يمثل خط كركوك–جيهان أحد البدائل المهمة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، إلا أن طاقته الحالية لا تكفي لتعويض صادرات الجنوب بالكامل اذ تبلغ طاقته التصديرية الحالية 300 الف برميل يوميا، فضلًا عن وجود تحديات سياسية وفنية مرتبطة بتشغيله اذ ان الخط بري وطويل ويحتاج تكاليف صيانة مستمرة. كذلك كلفته التصديرية عالية لانه يمر بالاراضي التركية وبالتالي يخضع لرسوم نقل وترانزيت تدفع للجانب التركي

  1. مشروع الربط مع الأردن

يُعد مشروع أنبوب البصرة–العقبة من المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تمنح العراق منفذًا إضافيًا على البحر الأحمر، بما يقلل من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز. وهذا البديل لم يستكمل بعد

  1. تنويع الاقتصاد

يظل الحل الجوهري طويل الأمد هو تقليل الاعتماد على النفط عبر تنشيط القطاعات الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار، وتطوير الصناعة والزراعة والطاقة المتجددة. وهناك تلكئ واضح في هذا المجال منذ اكثر من 20 سنة . لذا يعتبر بديلا يسهم ب5% من معالجة الازمة الحالية.

  1. إصلاح السياسة المالية

يتطلب الأمر إعادة هيكلة الإنفاق العام وتقليل الاعتماد على النفقات التشغيلية، وزيادة مساهمة الإيرادات غير النفطية في تمويل الموازنة. وهذا الامر لايمكن معالجته مادام استخدام المال سياسيا قائم في البلد.

هنا يبرز التساؤل الاكثر اهمية هل سوف يتحمل المواطن العراقي تبعات الازمة الحالية؟

في الواقع، نعم، وبصيرح العبارة  غالبًا ما يتحمل المواطن العراقي الجزء الأكبر من كلفة الأزمات الاقتصادية، حتى عندما تكون أسبابها خارجية أو سياسية أو جيوسياسية، مثل الحروب أو تقلبات أسعار النفط أو إغلاق الممرات التجارية. وهذه ليست حالة عراقية فقط، لكنها في العراق تكون أكثر وضوحًا بسبب الطبيعة الريعية والهشة للاقتصاد. وكذلك عدم وجود خطط استراتيجة تتبعها الحكومة لتحقيق الاستفادة القصوى من البدائل المتوفرة في الاقتصاد العراقي. لذا سوف نرى اعراض الازمة الحالية تظهر على الاقتصاد العراقي تدريجيًا عبر عدة قنوات منها ، ارتفاع أسعار السلع نتيجة ضغط الدولار والاستيراد. و تراجع فرص العمل والاستثمار. و تأخر المشاريع والخدمات العامة. و ضعف القدرة الشرائية. و زيادة الاعتماد على الاقتراض أو الضرائب والرسوم.و تراجع او تاخر الإنفاق الحكومي التنموي لصالح الرواتب والنفقات الضرورية .

من كل هذا يتضح أن الأمن الاقتصادي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري، لأن قدرة الدولة على تأمين الغذاء والطاقة والاستقرار المالي تمثل عنصرًا أساسيًا في حماية الاستقرار الداخلي. ومن هذا المنطلق، فإن بناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة أصبح ضرورة استراتيجية للعراق، وليس مجرد خيار اقتصادي او بدائل مكتوبة وغير مقرؤءة تستخدم في التنظير الاعلامي غالبا. فالدول التي تعتمد على مصدر وحيد للإيرادات تكون أكثر عرضة للتقلبات الخارجية والصدمات الدولية.

خاتمة

إن استمرار إغلاق مضيق هرمز كشف بوضوح حجم الترابط بين الاقتصاد العراقي والتطورات الجيوسياسية في المنطقة، كما تبرز في الوقت نفسه هشاشة البنية الاقتصادية الريعية التي تعتمد بصورة مفرطة على النفط. وكذلك تكشف عدم وجود خطط استراتيجية واضحة للحكومة للتصدي لهكذا ازمات بل الاعتماد على الاجراءات المتاحة مثل  بعض الأدوات المؤقتة لاحتواء الأزمات،كالاحتياطي النقدي وخطوط التصدير البديلة، إلا أن هذه الأدوات لا تكفي لضمان الاستقرار طويل الأجل ما لم تُرافقها إصلاحات هيكلية حقيقية تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز الأمن الاقتصادي وتقليل الاعتماد على العوائد النفطية.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في كيفية مواجهة أزمة طارئة مثل إغلاق مضيق هرمز، بل في قدرة العراق على بناء نموذج اقتصادي أكثر استدامة ومرونة، يحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى حياة المواطنين ومستوى رفاههم الاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *