ما بعد البروليتاريا الرثة: نحو نظرية في اقتصاد الخطاب وإدارة الحاجة في فضاءات الرأسمالية الطرفية المعاصرة

ما بعد البروليتاريا الرثة نحو نظرية في اقتصاد الخطاب وإدارة الحاجة في فضاءات الرأسمالية الطرفية المعاصرة
ما بعد البروليتاريا الرثة: الهشاشة ليست خارج النظام بل داخله. مفهوم اقتصاد البقاء وإدارة الحاجة كخطاب في الفضاء العام. الفقر ليس حالة مادية فقط بل تواصلاً رمزياً يخضع لقابلية التصديق والرأسمال الرمزي....

بعد اقتصاد الخطاب Economy of discourse مفهوم تحليلي يستخدم لوصف الطريقة التي تتحول بها اللغة والسرديات داخل المجتمع إلى أداة لها قيمة ووظيفة مثل المال أو الموارد، وهي اصول غير ملموسة تصبح اصول ملموسة عبر انعكاساتها المادية مستقبلا. وتستخدم عندما يُراد التركيز على البعد البنيوي للخطاب وكيف يُنظم، ولاسيما في سياق الابعاد الثلاثية في الاجتماع الاقتصادي والمتمثلة بالحاجة والفقر و الفضاء العام اذ ان الخطاب نفسه يدار ويقوم ويستخدم كـ مورد داخل التفاعل الاجتماعي .

ومن هنا لابد من فحص ايديولوجيا البروليتاريا الرئة كما صاغها كارل ماركس عبر تتبع تحولاتها في سياق الاقتصادات الطرفية الراسمالية المعاصرة، حيث لم يعد الهامش يمثل فئة تقع خارج البنية الاقتصادية بل أصبح جزءًا من آلياتها الداخلية. فقد ارتبط هذا المفهوم في الأدبيات الماركسية الكلاسيكية بفئات منفصلة عن علاقات الإنتاج، لا تسهم في خلق القيمة، وتظل بحكم موقعها الهش وغير المنظم قابلة للتوظيف السياسي من قبل قوى السلطة، كما ورد في نصوص مثل البيان الشيوعي والثامن عشر من برومير لويس بونابرت”. غير أن هذا التحديد المفاهيمي كان وثيق الصلة بسياق الثورة الصناعية الأوروبية، حيث كان الفائض البشري نتاجا مباشرًا لآليات الإنتاج الرأسمالي التي تقذف بأعداد من العمال خارج دورة العمل.

في المقابل، تكشف الاقتصادات الطرفية للرأسمالية المعاصرة عن مسار مختلف، إذ لم تشهد تطورا صناعيا مكتملا ينتج فائضا بشريًا بالمعنى الكلاسيكي، بل أفرزت توسعا ملحوظا في الاقتصاد غير الرسمي وأنماط العمل الهش. في هذه السياقات، لا تقف الفئات الهامشية خارج عملية إنتاج القيمة، بل تشارك فيها بطرق غير مستقرة، ما يجعل توصيفها بكونها بروليتاريا رثة بالمعنى الماركسي الصارم أمرًا إشكاليا.

من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة المفهوم، أو على الأقل إلى التمييز بينه وبين ما يسميه غاي ستاندنغ (Guy Standing) الطبقة الهشة (Precariat)، وهي فئة منخرطة في السوق لكنها تفتقر إلى الأمان الوظيفي والحماية الاجتماعية فغي ستاندنغ هو اقتصادي وباحث بريطاني يعد من أبرز من درسوا تحولات سوق العمل في العصر الحديث، خصوصا في ظل العولمة والسياسات النيوليبرالية. حيث اشتهر أساسا بمفهوم الطبقة الهشة” (Precariat)، المذكورة ، الذي طرحه في كتابه في هذا النطاق يجادل الكاتب بأن هناك The Precariat: The New Dangerous Class (2011) طبقة اجتماعية جديدة أخذة في التوسع، تتكون من أشخاص يعملون في وظائف غير مستقرة مؤقتة، أو بلا ضمانات، مثل العمل الجزئي، والعمل الحر غير المنظم، والوظائف قصيرة الأجل.

يرى ستاندنغ أن هذه الفئة تختلف عن الطبقة العاملة التقليدية التي تحدث عنها كارل ماركس، لأنها: لا تملك استقرارًا وظيفيًا، وتفتقر إلى الحماية الاجتماعية تأمين، تقاعد، حقوق عمل و تعيش حالة دائمة من عدم اليقين الاقتصادي.

كما يحذر من أن توسع هذه الطبقة قد يؤدي إلى توترات اجتماعية وسياسية، لأنها تشعر بالتهميش وانعدام الأمان، ما يجعلها عرضة للاحتجاج أو حتى للاستقطاب السياسي التي اشار اليها (فرانتس فانون Frantz Fanon بشكل واسع ، وهو طبيب نفسي وفيلسوف وكاتب سياسي من أصول مارتينيكية، يعد من أبرز منظري حركات التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار في القرن العشرين.

وبشكل مبسط إذا كان ماركس قد ركز على الصراع بين الرأسماليين والعمال الصناعيين، فإن ستاندنغ يحاول تفسير ما يحدث بعد تراجع هذا النموذج، حيث لم يعد العمل مستقرا ، وأصبحت الهشاشة هي القاعدة لكثير من الناس.

اذ يشير لويك واكان Loic Wacquant وهو عالم اجتماع فرنسي معاصر، تلميذ لـ بيير بورديو، ويعد من أبرز الباحثين في قضايا ( الهامش الحضري، الفقر، والدولة العقابية الى أن الهامش في الرأسمالية المعاصرة لم يعد بقايا للنظام، بل نتيجة لإعادة هيكلته، خصوصا في ظل السياسات النيوليبرالية التي أعادت توزيع المخاطر الاجتماعية على الأفراد.

كما اشتهر بعدة أفكار أساسية، أهمها،

تحليل الهامش الحضري كما ذكرنا انفا ، اذ يرى أن الفقر في المدن الحديثة ليس مجرد بقايا للنظام، بل نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية خصوصا النيوليبرالية التي أدت إلى تهميش فئات واسعة من المجتمع فضلاً عن تناول مفهوم الدولة العقابية (Punitive State اذ يجادل بأن الدول خصوصا في الولايات المتحدة قد قلصت دورها الاجتماعي الرعاية والخدمات ووسعت في المقابل دورها العقابي السجون والشرطة)، ما أدى إلى إدارة الفقر عبر العقاب بدل المعالجة. كذلك تناول الوصم الاجتماعي (Stigmatization) حيث يوضح كيف يتم تصوير سكان الأحياء الفقيرة كخطر اجتماعي، ما يعمق عزلتهم ويعيد إنتاج تهميشهم . هكذا يطرح Loic Wacquant فهما للهامش بوصفه بنية داخلية لا عرضا خارجيا، حيث تعمل الرأسمالية الطرفية Peripheral Capitalism بشكل خاص على إنتاج الهشاشة وإعادة تدويرها كجزء من آليات اشتغالها. فبدلا من استيعاب الأفراد ضمن أنماط عمل مستقرة، يتم دمجهم في السوق بشروط مرنة تفتقر إلى الضمانات، ما يؤدي إلى نشوء ما يمكن تسميته اقتصاد البقاء Survival economy اي العيش بالحد الأدنى دون تراكم، حيث تتداخل الأنشطة الاقتصادية مع استراتيجيات يومية تهدف إلى تأمين الحد الأدنى من العيش .

في هذا الإطار، لا يكون الهامش استثناء، بل يتحول إلى شرط ضمني لاستمرار النظام.

وهنا يختلف اقتصاد البقاء” عن مفاهيم قريبة مثل ما طرحه في ستاندنغ حول الطبقة الهشة”؛ فبينما يركز ستاندنغ على عدم الاستقرار داخل سوق العمل، يذهب اقتصاد البقاء أبعد من ذلك ليشمل استراتيجيات العيش خارج السوق أو على هامشه كما يتقاطع مع تحليلات لويك واكان التي ترى أن الهامش ليس خارج النظام بل نتيجة لإعادة تنظيمه.

غير أن تحليل هذا الواقع لا يكتمل دون الانتباه إلى الكيفية التي تعرض بها الحاجة في الفضاء العام. فالفقر لا يختبر فقط كحالة مادية، بل يمارس أيضا كفعل تواصلي يتطلب التمثيل والإقناع وهنا تقترح الروية في هذه الورقة دمج مفهوم اقتصاد الخطاب لفهم الكيفية التي تتحول بها المعاناة إلى سرديات قابلة للتداول الاجتماعي.

ففي الفضاءات اليومية (مثل أرصفة الصيدليات ( لا تقدم الحاجة بوصفها معطى موضوعيا فحسب، بل تعاد صياغتها في شكل خطابات موجزة تستهدف استدرار الاستجابة من جمهور عابر تتوقف فعالية هذه الخطابات على قدرتها على التوافق مع التوقعات الاجتماعية السائدة، وهو ما يمكن تفسيره بالاستعانة بمفهوم الرأسمال الرمزي لدى بيير بورديو، حيث لا تتحدد فرص الحصول على الدعم فقط بمستوى الحاجة، بل أيضا بمدى قابلية هذه الحاجة للتصديق والقبول.

ضمن هذا المنظور، تفقد الثنائية التقليدية بين الصدق والتزييف قيمتها التحليلية، إذ يصبح الأهم هو فهم آليات التفاعل التي تجعل من القابلية للتصديق” موردا اجتماعيًا بحد ذاته فالأفراد لا يعرضون معاناتهم بشكل عفوي، بل يعيدون تشكيلها ضمن قوالب خطابية تتلاءم مع ما يتوقع منهم قوله في مثل هذه السياقات. وهكذا يتحول الفضاء العام إلى ساحة تفاوض رمزي، تتقاطع فيها الحاجة مع تمثلاتها الاجتماعية. وعليه ، فان هذه الرؤية التحليلية تقود الى عادة النظر في التمييز بين الفقر الظاهر و الفقر الصامت”. فهذا التمايز لا يعكس بالضرورة اختلافا في شدة العوز بل في القدرة على إدارة الحاجة ضمن المجالين العام والخاص. فالأفراد الذين يمتلكون موارد اجتماعية مثل شبكات الدعم العائلي أو المجتمعي) يستطيعون تجنب الظهور العلني، بينما يدفع من يفتقر إلى هذه الموارد نحو الفضاء العام، حيث يصبح الظهور شرطًا للحصول على المساعدة بذلك، لا يكون الظهور مجرد اختيار بل نتيجة لبنية توزيع غير متكافئة للموارد الرمزية والاجتماعية.

في ضوء ما سبق يتضح أن مفهوم البروليتاريا الرئة لم يعد كافيا لفهم تعقيدات الهامش في الاقتصادات المعاصرة فالهشاشة اليوم ليست خارج النظام، بل جزء من بنيته، كما أن الفقر لا يختزل في أبعاده المادية بل يتشكل أيضا عبر طرق تمثيله والتعبير عنه. ومن ثم، فإن فضاءات يومية مثل أرصفة الصيدليات تكشف عن تداخل عميق بين الاقتصاد والرمز، حيث تنتج الحاجة وتعاد صياغتها في أن واحد ضمن بنية اجتماعية تعيد توزيع فرص الاندماج والظهور بشكل غير متكافئ.

ختاما ، يبقى اقتصاد الخطاب في موضوع ( الرثاثة والهشاشة والبقاء بين ماركس، وستاندنك و لويك واكان لغة ليست محايدة، بل هي جزء من توزيع القوة والموارد في المجتمع، خاصة في لحظات الصراع بين مفهومي الحاجة والهشاشة في الفضاء العام …..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *