ما يجري في تركيا ربما يتصور البعض انه نتيجة حتمية لتغول اردوغان في الاستحواذ على السلطة الشخصية في تركيا و تزعمه مافيات الدولة و الحكم الفردي و ما إلى ذلك ،هذا التصور قد يكون في بعده الداخلي يحظى بصحة نسبية،و لكن على الصعيد الخارجي فللمراقبين رأي آخر!
تركيا على مدار عقود كانت تحكمها مافيات الجيش و الساسة ، و الصراع كان بينهما مستعرا و مستمرا حتى التسعينات من القرن الماضي حيث فرضت التحولات الدولية و الاقليمية على العسكر بالعودة إلى ثكناتهم و تسليم ” الدور ” للساسة لا فرق علماني او اخواني لتولي أمور الدولة !
فوز حزب اردوغان في اول جولة انتخابات “ديمقراطية “بعد انسحاب العسكر من المشهد السياسي لم يكن ليتم لو لا الضوء الاخضر الغربي الذي أعطي لسلطة الجيش بان يتولى ” المدنيون ” السلطة من دون تغيير في الاستراتيجيات و العلاقات مع الغرب و الاحتفاظ بتركيا كدولة ” علمانية” برداء ” اسلامي”!
حزب التنمية و العدالة لم يكن إلا واجهة لدولة عميقة جذورها في واشنطن و تل ابيب و ربما عواصم الغرب ايضا حتى وان رفع اردوغان الف شعار ضد هذه العواصم ،السلوك التركي هو المقياس لفهم السياسة الرسمية لتركيا و دولتها العميقة ، تركيا مازالت العمق الاستراتيجي للناتو و بوابة الغرب للشرق!
نعم تفرد اردوغان و من قبله العسكر بالسلطة ظاهرة قومية تركية عثمانية ضاربة جذورها في التاريخ التركي العثماني ، ليس عجيبا ان يتحول أردوغان الى دكتاتور و حاكم مستبد فهذا شأن كل حكام تركيا المهووسين بالسلطة و المتشدقين بتاريخ سليمان قانونى و بطره و فساده و بطشه حتى باخوته!
إلا ان تركيا الأردوغانية اختلفت عن بقية الحكومات التي تتالت على حكم انقرة من خلال التظاهر ب” التدين” و بالأسلمة و خطاب اسلامي استهلاكي ربما ظاهره مشجع و باطنه نفاق !
هذه الازدواجية تميزت بها السياسة الخارجية لتركيا و في علاقاتها مع التحولات السياسية و الأمنية في المنطقة !
النفاق التركي انعكس في التعاطي مع احداث المنطقة و قضايا المسلمين و العرب و تآمره مع الاعداء لتدمير عددغير قليل من البلدان بدءا من ليبيا و السودان و ليس انتهاءا بسورية التي تم تسلميها للتكفيريين القتلة و للصهاينة و التقاسم في توزيع الكعكة السورية على الأطراف الاقليمية والدولية.
هذا النفاق التركي هو انعكاس لسياسة اردوغان الأجرامية بحق شعوب المنطقة و حتى بحق الشعب التركي المنتفض اليوم على سياسات حكومته الاستعلائية و التخريبية التي أدت إلى ان يواجه هذا الطاغية غضب الشارع الذي لن يستكين حتى اسقاطه عاجلا ام اجل.
مصير اردوغان هو ان يذل من قبل شعبه و خصومه!
الصراع الداخلي في تركيا حتما سيترك تأثيره على دول عدة في المنطقة ، تركيا اليوم على منعطف الطريق إما إلى الانهيار الاقتصادي الكامل و إما إلى التقسيم خاصة و ان الغضب الشعبي على الوضع المتردي اقتصاديا سوف يشتد و يتصاعد ، و سوف يؤدي إما إلى اسقاط اردوغان و اما اضعافه .
بلاشك سقوط اردوغان و انتهاء دوره له تداعياته الاقليمية خاصة على الدول الثلاث أذربيجان بقيادة اداة الغرب و المأسوية الهام علييف ، و سورية المحتلة من قبل التكفيريين و الجولاني ،و إسرائيل و كذلك الحكومة القطرية المتواطئة مع حكومة اردوغان في تدمير المنطقة .
القطريون سيتضررون كثيرا من رحيل او اضعاف اردوغان و سيتراجع دورهم ، و ستتلقى قطر الصفعة لشراكتها الظالمة مع حكومة اردوغان في ادخال سورية إلى النفق المظلم و دعم المتطرفين التكفيريين و تبني سياسة العدوان ضد إسرائيل محور المقاومة الداعم لقضية فلسطين و المظلومين في غزة، ولم تكون بمنأى من غضب شعوب المنطقة ، فهي باموالها و إعلام الجزيرة التابع لها دمرت سورية.
ما يجري لأردوغان و حكومته هو درس بليغ لقطر كي لا تتمادى اكثر في توظيف سياساتها و أموالها و إعلامها في تخريب بلدان المنطقة و لا تتواطأ اكثر مع الطغاة و عصابات الجولاني لتنفيذ أجندات امريكا و الصهانية .
تركيا اليوم على منعطف الطريق و ستجر معها شركاءها الإقليميين الى السقوط!


