تحت سماء بكين التي طوى بساطها الأحمر بالأمس، غادرت الطائرة الرئاسية “إير فورس وان” تاركةً خلفها ضجيج البروتوكول وصمت النتائج، حيث لم يكن لقاء “ترامب” و”شي” في فترته الرئاسية الثانية سوى فصلٍ جديد من فصول القلق العالمي. رحل الرئيس الأمريكي وهو يحمل في حقائبه وعوداً بصفقات طائرات وسلع زراعية، لكنها وعودٌ تفتقر إلى الأختام الرسمية والجداول الزمنية، لتبدو الزيارة في جوهرها أقرب إلى “هدنة هشة” منها إلى “اتفاق تاريخي”. لقد كان العالم يراقب هذا الحوار بين قطبي الأرض، وسط غيوم الحرب الملبدة في الشرق، حيث ظل مضيق هرمز والبحر الأحمر رهينةً لحسابات القوة والحصار، بينما اكتفى التنين الصيني بتقديم “إطار عمل” للاستقرار دون أن يمنح واشنطن صكاً بإنهاء التوتر أو لجم التصعيد في مياه الطاقة الملتهبة.
في هذه الزيارة التي قيدتها سلفاً قرارات المحكمة الدستورية العليا في واشنطن، وجد ترامب نفسه مضطراً لاستبدال لغة التهديد بلغة المفاوض والتاجر، محاولاً تضييق فجوة مئتي وعشرين مليار دولار بجيشٍ من رجال الأعمال والشركات. ومع ذلك، بقيت “المعضلة الصينية” قائمة؛ فبينما كان ترامب يتحدث عن “تفاهمات مذهلة” وهو يحلق عائداً إلى بلاده، كانت بكين تهمس في بياناتها بتحفظٍ ديبلوماسي، واصفةً ما جرى بلقاء “الجمود المنتج”، حيث لا تراجع جوهرياً عن المواقف، ولا تقدم ملموساً يغير موازين القوى. إنها المحصلة الطبيعية لصراعٍ يتجاوز الأشخاص ليصبح صراع بقاءٍ بين نظامين، حيث لم تنجح الحفاوة المفرطة في إخفاء حقيقة أن التنافس على السيادة التكنولوجية والأمن الإقليمي ما زال يغلي تحت سطح الابتسامات الرسمية، ليعود ترامب إلى واشنطن ويبقى العالم مترقباً: هل ستصمد هذه الهدنة أمام أول اختبار حقيقي على أرض الواقع؟


