واشنطن وطهران.. هل تقترب المفاوضات من طريق مسدود ؟

واشنطن وطهران.. هل تقترب المفاوضات من طريق مسدود ؟
تواجه المفاوضات الأمريكية الإيرانية تعقيدات متزايدة بسبب الخلافات حول التخصيب والعقوبات والضمانات، وسط تأثير التوترات الإقليمية والضغوط الداخلية. ورغم استمرار الحوار، يظل احتمال الانسداد السياسي قائماً مع بقاء خيار التسوية ضرورياً لتجنب تصعيد يهدد استقرار المنطقة...

تعود المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة المشهد الدولي باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في الشرق الأوسط. فبعد سنوات من العقوبات والتصعيد العسكري والاتهامات المتبادلة، دخل الطرفان منذ عام 2025 جولات تفاوضية جديدة بوساطات إقليمية ودولية، وسط آمال بإحياء تفاهمات تقلل التوتر وتمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة . لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الطريق نحو اتفاق شامل ما يزال معقداً، وأن احتمالات الانسداد السياسي أصبحت أكثر حضوراً من أي وقت مضى . يبقى الملف النووي جوهر الأزمة بين واشنطن وطهران . فالولايات المتحدة تسعى إلى فرض قيود صارمة وطويلة الأمد على تخصيب اليورانيوم، مع آليات رقابة دقيقة تحول دون امتلاك إيران قدرة إنتاج سلاح نووي . في المقابل، تؤكد طهران أن برنامجها النووي سلمي، وترفض التخلي عن حقها في التخصيب باعتباره حقاً سيادياً تكفله القوانين الدولية . وبين هذين الموقفين تستمر المفاوضات في دائرة معقدة من الشروط المتبادلة وانعدام الثقة . الجولات التي عُقدت في مسقط وجنيف وإسلام آباد أظهرت وجود تقدم محدود في بعض الملفات التقنية، لكنها لم تحقق اختراقاً سياسياً حقيقياً . التصريحات الإيرانية بدت أكثر تفاؤلًا، فيما فضلت واشنطن لغة حذرة تعكس استمرار الشكوك العميقة بين الطرفين . وهذا التباين في الخطاب السياسي يعكس حجم الهوة القائمة بشأن القضايا الجوهرية . العقوبات الاقتصادية تمثل بدورها عقدة مركزية في المفاوضات . إيران ترى أن أي اتفاق لا يتضمن رفعًا فعلياً للعقوبات النفطية والمصرفية سيكون بلا قيمة، خاصة مع استمرار الضغوط الاقتصادية الداخلية وارتفاع التضخم وتراجع العملة المحلية . أما الولايات المتحدة فتربط أي تخفيف للعقوبات بخطوات إيرانية قابلة للتحقق والرقابة . وتخشى طهران من تكرار تجربة الاتفاق النووي السابق بعد انسحاب واشنطن الأحادي منه عام 2018، لذلك تطالب بضمانات تمنع أي إدارة أمريكية مستقبلية من التراجع عن الاتفاق، وهو مطلب يبدو صعب التطبيق في ظل طبيعة النظام السياسي الأمريكي . التطورات الإقليمية زادت المشهد تعقيداً . فالحرب في غزة، والتوتر في البحر الأحمر، والمواجهات غير المباشرة بين إسرائيل وحلفاء إيران، جعلت الملف النووي جزءاً من صراع أوسع على النفوذ الإقليمي . وتواصل إسرائيل الضغط على واشنطن لمنع أي اتفاق تعتبره ضعيفًا أو يسمح لطهران بالاحتفاظ ببنية نووية متقدمة، كما تدفع باتجاه تضمين برنامج الصواريخ الباليستية ضمن أي تسوية مستقبلية . في المقابل، تعتقد إيران أن الظروف الإقليمية تمنحها أوراق قوة إضافية . فعلى الرغم من العقوبات الطويلة، تمكنت من الحفاظ على نفوذها الإقليمي، كما عززت تعاونها مع روسيا والصين اقتصادياً وعسكرياً . وهذا ما يدفع بعض الدوائر الإيرانية إلى الاعتقاد بأن واشنطن بحاجة إلى الاتفاق أكثر من حاجة طهران إليه، خصوصاً مع خشية الإدارة الأمريكية من اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط تؤثر في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة . لكن الإدارة الأمريكية تواجه بدورها حسابات داخلية معقدة . فالرئيس دونالد ترامب يتعرض لضغوط من الكونغرس والتيارات المحافظة الرافضة لأي تنازل لإيران، كما أن اقتراب الانتخابات يجعل الملف الإيراني قضية سياسية حساسة . لذلك تسعى واشنطن إلى اتفاق يمكن تقديمه داخلياً بوصفه إنجازاً سياسياً وأمنياً، وليس مجرد تكرار لاتفاقات سابقة . ومن أكثر القضايا حساسية مسألة تخصيب اليورانيوم . فقد طُرحت أفكار تتعلق بتعليق التخصيب عالي المستوى مقابل رفع تدريجي للعقوبات، أو نقل جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، أو إخضاعه لرقابة دولية مشددة. إلا أن هذه المقترحات ما تزال تصطدم بجدار عدم الثقة؛ فإيران تخشى تقديم تنازلات استراتيجية دون مكاسب اقتصادية واضحة، بينما تخشى واشنطن أن تستغل طهران أي اتفاق مؤقت لتعزيز قدراتها مستقبلاً . الأوروبيون أيضًا يبدون قلقاً من احتمال التوصل إلى اتفاق سريع يفتقر إلى الضمانات والتفاصيل الفنية الدقيقة . فبعض العواصم الأوروبية تخشى أن يؤدي التسرع إلى اتفاق هش ينهار لاحقًا، ما يعيد الأزمة بصورة أكثر تعقيداً . كما تدرك أوروبا أن الملف النووي الإيراني لا يتعلق فقط بمنع الانتشار النووي، بل يمتد إلى أمن الطاقة والتوازنات الإقليمية واستقرار العلاقات الدولية . في ظل هذه التعقيدات، تبدو احتمالات الانسداد السياسي واقعية أكثر من أي وقت مضى . فكل طرف يعتقد أنه يمتلك أوراق ضغط كافية لتحسين شروطه . الولايات المتحدة تعتمد على العقوبات والعزلة الاقتصادية والضغط العسكري غير المباشر، بينما تراهن إيران على قدرتها على الصمود وتوسيع شراكاتها مع القوى الشرقية . لذلك تتحرك المفاوضات ببطء شديد، مع اقتراب متكرر من تفاهمات جزئية يعقبه تراجع بسبب الخلافات الجوهرية . وفي حال فشل المفاوضات، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة أكثر خطورة . السيناريو الأول يتمثل في استمرار حالة اللاحرب واللاسلم، أي بقاء العقوبات والتوترات دون مواجهة مباشرة، مع استمرار إيران في تطوير برنامجها النووي تدريجياً . أما السيناريو الثاني فهو التصعيد العسكري المحدود، سواء عبر ضربات إسرائيلية لمنشآت نووية إيرانية أو عبر مواجهات غير مباشرة في العراق وسوريا والبحر الأحمر . وهناك أيضًا احتمال عودة سياسة الضغط الأقصى الأمريكية بشكل أكثر حدة، وهو ما قد يدفع إيران إلى رفع مستوى التخصيب بصورة غير مسبوقة . ورغم ذلك، يبقى خيار التسوية قائمًا، لأن كلفة الفشل مرتفعة على الجميع . فالولايات المتحدة لا تريد حربًا جديدة تستنزفها اقتصادياً وعسكرياً، وإيران تدرك أن استمرار العقوبات يضغط بقوة على اقتصادها ومجتمعها . كما أن القوى الكبرى، خصوصًا أوروبا والصين وروسيا، لا ترغب في انفجار أزمة جديدة تهدد استقرار أسواق النفط والتجارة العالمية . المفاوضات الحالية تختلف عن الجولات السابقة في عدة نقاط؛ أولها ارتفاع مستوى انعدام الثقة نتيجة تجارب السنوات الماضية، وثانيها تشابك الملف النووي مع الملفات الإقليمية، وثالثها التحولات في ميزان القوى الدولي مع تصاعد التنافس الأمريكي الصيني وعودة روسيا بقوة إلى المشهد الدولي، وهو ما يمنح إيران هامش مناورة أوسع مقارنة بالماضي . في النهاية، تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية وكأنها تتحرك ضمن معادلة دقيقة .. لا اتفاق شامل يلوح في الأفق القريب، لكن لا رغبة حقيقية أيضاً في الانفجار الكامل . وبين هذين الخيارين يستمر التفاوض باعتباره وسيلة لإدارة الأزمة أكثر من كونه طريقاً سريعاً لحلها . غير أن استمرار هذا الوضع الهش يحمل مخاطر كبيرة، لأن أي حادث أمني أو خطأ في الحسابات السياسية قد يدفع المنطقة إلى مواجهة يصعب احتواء نتائجها . ويبقى السؤال الأهم .. هل يستطيع الطرفان تجاوز إرث العقود الماضية وبناء تفاهم جديد، أم أن المفاوضات تتجه فعلًا نحو مرحلة انسداد قد تقود إلى فصل أكثر توترًا في العلاقة بين واشنطن وطهران ؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل قد ترسم أيضًا شكل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *