حرب بلا بنادق: كيف يغرق العراقيون في مستنقع المحتوى الهابط ؟

حرب بلا بنادق: كيف يغرق العراقيون في مستنقع المحتوى الهابط ؟
يمتلك العراق خزينًا استراتيجيًا ضخمًا من القوة الناعمة، لكنه يظل معطلًا دون رؤية واضحة تستثمره في ترسيخ الفكر النقدي وتعزيز الوعي الثقافي...

حينما قرأت كتاب “عالم جديد شجاع” لألدوس هكسلي، وجدت نفسي أمام رؤية مخيفة لكنها مألوفة. لم يكن هكسلي يتحدث عن القمع المباشر، بل عن استبداد الترفيه الذي يغرق الإنسان في التفاهة حتى يفقد القدرة على التفكير النقدي. هذا بالضبط ما يحدث اليوم في العراق، حيث يغرق المجتمع في دوامة من المحتوى الهابط ، والخطابات الشعبوية، والتسلية الفارغة التي تسرق وعيه وقدرته على التغيير.

خلافًا لجورج أورويل، الذي تخيّل مستقبلًا تُقمع فيه المعرفة بالقوة، رأى هكسلي أن الناس لن يتم قمعهم بالقوة، بل سيتم إلهاؤهم عن الحقيقة بالترفيه الرخيص. لم يعد القمع بحاجة إلى زنازين، بل يكفي أن تملأ الفضاء العام بمحتوى سخيف يقتل الوقت ويشلّ التفكير. هذا ما يحدث في العراق، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة للتسلية المفرطة، بينما تهمَّش النخبة، ويتحول الخطاب العام إلى جدالات عقيمة.

في كتابه، لم يتحدث هكسلي فقط عن الترفيه، بل عن كيف يمكن للنخبة الحاكمة أن تستغل هذه الحالة لصناعة مجتمع خامل فكريًا. أجد هذا حاضرًا في العراق، حيث يُترك الشعب غارقًا في مشاغله اليومية وصراعاته الصغيرة، بينما تُدار الأمور الكبرى بعيدًا عن اهتمامه. يتم تضييق أفق المواطن العادي بحيث لا يتجاوز اهتمامات الاستهلاك الآني، فلا يعود لديه وقت أو رغبة في التفكير في الأسئلة الكبيرة التي تحدد مستقبله.

الخطورة ليست في شيوع التفاهة فقط، بل في قدرتها على تحويل المواطن إلى كائن غير معنيّ بالقضايا المصيرية. بدلاً من التفكير في إصلاح النظام أو تطوير الاقتصاد، نجد الكثيرين منشغلين بمحتوى لا قيمة له، مما يسهل التحكم بالمجتمع دون الحاجة إلى قوة مباشرة.

حينما كتب هكسلي “عالم جديد شجاع”, كان يحذر من مستقبل يُسرَق فيه الوعي قبل الحرية. واليوم، أرى العراق يسير في هذا الاتجاه، حيث تنتشر التفاهة بينما تُهَمَّش النخب الواعية. لكن المواجهة ليست مسؤولية الفرد وحده، بل تتطلب من صانع القرار وضع استراتيجية لحماية المجتمع من هذا الانحدار.

ختامًا

يمتلك العراق خزينًا استراتيجيًا ضخمًا من القوة الناعمة، لكنه يظل معطلًا دون رؤية واضحة تستثمره في ترسيخ الفكر النقدي وتعزيز الوعي الثقافي. فهل ننتظر الغرق الكامل، أم نبدأ بالتحرك لإنقاذ ما تبقى من وعينا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *