الفوضى كمرآة للنظام: قراءة في العراق من منظور جيجيك

الفوضى كمرآة للنظام: قراءة في العراق من منظور جيجيك
ينظر جيجيك للفوضى كوجه آخر للنظام وفرصة لإعادة التفكير فيه. في العراق، أصبحت الفوضى آلية دائمة لإنتاج الواقع، لا مجرد مرحلة عابرة. التحدي يكمن في تحويل الفوضى من قدر محتوم إلى إمكان تأسيسي لإبداع دولة جديدة تتجاوز الانقسامات...

يقدّم الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك في كتابه فلسفة الفوضى: هل ينقذ الدمار البشرية؟ رؤية نقدية عميقة للفوضى بوصفها لحظة كاشفة لإفلاس البنى التقليدية وفرصة لإعادة التفكير في الأسس التي يقوم عليها النظام الاجتماعي والسياسي. إن الفوضى من منظور جيجيك ليست نقيضاً للنظام فقط بل هي الوجه الآخر له حيث لا يمكن فهم أي نظام دون النظر إلى مساحات الاضطراب التي يفرزها فالفوضى هنا تحمل طابعاً  مزدوجاً : فهي في آنٍ واحد تهديد وانفتاح، انهيار وابتداء.

حين ننظر إلى العراق من هذا المنظور نجد أن الزمن لم يكن خطاً صاعداً نحو بناء الدولة بل كان حركة دائرية تستعيد ذات المأزق مع كل دورة. منذ التحولات السياسية الكبرى التي شهدها مطلع القرن الحادي والعشرين يعيش العراق في حالة من ( التوازن السلبي) حيث تستمر الفوضى كآلية لإنتاج الواقع لا كمرحلة مؤقتة سيتم تجاوزها. إنّ ما يتبدّى في العراق هو أن التقدّم في الزمن لم يقترن بالتقدّم في البناء المؤسسي بل بالعكس إذ كلما توغّل الزمن توغّلت الفوضى في تفاصيل الاجتماع والسياسة والاقتصاد.

الفوضى آلية لانتاج الواقع

هذه الفوضى ليست مجرد انهيار خارجي للبنية بل هي انكشاف لجوهر النظام نفسه فالسياسة العراقية اليوم لا تبدو عاجزة عن إنتاج الاستقرار فحسب بل متماهية مع الفوضى باعتبارها أداة لإعادة إنتاج موازين القوى. إنّ التعددية التي يُفترض أن تكون ساحة للتداول السلمي تحوّلت إلى شكل من أشكال “إدارة التعارض” حيث يُصان الاضطراب بوصفه ضرورة لاستمرار السيطرة في هذا يلتقي العراق مع فكرة جيجيك بأن النظام ليس ما يضع حداً للفوضى بل ما يُعيد إنتاجها بصورة مموّهة.

وعلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي تظهر الفوضى كقدر يومي يعيشه المواطن فغياب الخدمات الأساسية وتفكك البنية التحتية ليسا مجرد تعبير عن فشل تقني بل انعكاس لبنية الدولة ذاتها حيث تغدو الفوضى جزءاً  من التجربة الوجودية للإنسان العراقي. المواطن هنا لا يعيش الفوضى كحدث استثنائي بل كإيقاع يومي يتخلل حياته ما يجعل من “البقاء” بحد ذاته مشروعاً فرديًا يتجاوز فكرة العقد الاجتماعي.

ومع ذلك فإن الفوضى لا تقف عند حدود السلب فجيجيك ينبهنا إلى أنّ الفوضى في أقصى أشكالها تدميراً تحمل إمكانية تأسيس جديدة. إنها لحظة مفارقة: فإما أن تُبتلع الدولة في دينامية انهيار متواصل أو أن تتحول الفوضى ذاتها إلى مجال لإبداع نظام آخر أكثر صدقاً وارتباطاً بجوهر الاجتماع الإنساني ، العراق بهذا المعنى يقف عند تخوم فلسفية ـ تاريخية: فإما أن تستحيل فوضاه إلى عبء يجره نحو العدم، أو تتحول إلى طاقة تأسيسية تُنتج مشروع دولة يتجاوز انقساماته الراهنة.

إمكانات الفوضى التأسيسية

هنا لا يكون السؤال “كيف نتجاوز الفوضى؟” بل “كيف نُعيد صوغها؟” العراق اليوم لا يحتاج إلى الهروب من الفوضى بل إلى استثمارها كإمكان لإعادة ابتكار ذاته. فإذا كان النظام السابق قد انهار وإذا كان النظام اللاحق قد وُلد فاقداً لشرعية الاستقرار فإنّ اللحظة الراهنة تحمل في عمقها نداءً فلسفياً : أن يُعاد التفكير بالدولة لا كجهاز سيادي متعالٍ بل كإطار جامع يَستبطن الفوضى ويُعيد تحويلها إلى إمكان للعيش المشترك.

العراق إذ يعيش فوضاه يقف أمام سؤال جيجيكي بامتياز: هل تكون الفوضى لعنة تبتلع كل إمكان أم تكون انفتاحاً على ولادة جديدة؟ الجواب ليس في الزمن ذاته بل في قدرة المجتمع والدولة على تحويل الفوضى من قدر محتوم إلى إمكان خلاّق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *