تعدُّ الصحافة الشريان الأساس في الحياة اليومية، ذلك لكونها نافذة الإنسان إلى العالم الخارجي، ولاسيما قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، ففي السابق لم يكن العالم قرية صغيرة، وإنَّما عالـمًا واسعًا، وأغلب أفراده غير محيطة بمجريات الحياة اليومية، ومن هنا برزت فكرة إنشاء الصحف، ولكن لم يكن في بداية الأمر هو معرفة الناس بما يحدث في العالم، وإنَّما كانت الغاية هي نشر سياسات السلطة الحاكمة، وهو ما دعا لويس الثالث عشر ملك فرنسا في بدايات القرن السابع عشر إلى تأسيس أول صحيفة في العالم تحت مسمى (جازيت دي فرانس) عام 1636م وكانت تصدر تحت رقابة حكومية، فضلًا عن كون منشوراتها تخدم تطلعات القصر آنذاك.
ولم يكن الأمر مختلفًا في العراق، أو بالتحديد في بغداد، إذ أنشئت أول جريدة في بغداد كانت جريدة (زوراء) التي أسسها الوالي مدحت باشا (1822 – 1884م) والي بغداد، وذلك عندما تم تعيينه واليًا عليها في عام 1869م، وعند مجيئه اصطحب معه عدد من المساعدين، ومن بين هؤلاء المساعدين صحفيًا وعامل مطبعة من أجل تشغيل المطبعة التي جلبها معه من باريس. وفي 15/ 6/ 1869م تم إصدار جريدة (زوراء) ولكن عند صدورها لم تكن تحتوي على (ال) التعريف، وإنَّما صدرت تحت اسم (زوراء)، وتولى الصحفي التركي أحمد مدحت أفندي (1844 – 1912م) تحريرها، وكانت تصدر بواقع أربع صفحات، وباللغتين التركية والعربية، إذ كانت صفحتين باللغة التركية وصفحتين باللغة العربية.
واسهم في تحرير الجانب العربي منها أسماء عراقية بارزة آنذاك، ومنهم: أحمد عزت محمود الفاروقي وعبد الحميد الشاوي وطه الشواف ومحمود شكري الآلوسي وفهمي المدرس وجميل صدقي الزهاوي، فهذه الأسماء كانت من أعلام العراق في الفقه والأدب واللغة والشعر. واستمرت الجريدة في الصدور ما يقارب 48 عام، وأصدرت خلال هذه المدة (2607) عدد، حتى توقفت بشكلٍ نهائي عند دخول الإنكليز إلى بغداد عام 1917م.
وكانت طبيعة منشورات جريدة الزوراء في منشوراتها شبيهة إلى حد بعيد جريدة (الوقائع العراقية)، أي أنَّ منشوراتها كانت حول قرارات الحكومة وأوامرها، ويتم توزيعها على دوائر الدولة ومراكز الأمن، ويتم تعليقها على لوحة خاصة من أجل قرأتها من قبل موظفي الدولة والمهتمين بمتابعة أخبار الدولة العثمانية.
وعلى الرغم من أنَّ هذه الجريدة كانت تصدر بصورة رسمية، ولكن كانت الرقابة على الصحافة آنذاك شديدة جدًا، وكانت الخلافة العثمانية، ولاسيما السلطان (عبد الحميد الثاني)، تتخوف من تأثير الصحافة على الشعب، فكانت تارة تعمل على قمعها وتارة أخرى تستغل الصحف في نشر أخبار القصر وإيهام الشعب بأنَّ كل الأمور على ما يرام، إذ كانت السلطة ترفض رفضًا قاطعًا على نشر أي مواضع تضر بأمن الدولة من قبيل أخبار اغتيال الملوك أو الانقلابات أو غيرها.