إنَّ لمدينة الكاظمية دور بارز في الحياة العلمية والفكرية، ولاسيما وأنَّها قد احتضنت قبري إمامين من أئمة الإسلام وهما: الإمام موسى بن جعفر الكاظم والإمام محمد بن علي الجواد (عليهما السلام)، ومنذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا تحظى هذه المدينة باهتمام كبير، إذ جاورها العلماء والفقهاء، وأخرجت الكثير من أهل العلم.
وأنَّ حركة العلم في ذلك الوقت لا يمكن أنْ تتقدم إلَّا عن طريق توفير السبل العلمية التي من شأنها تسهيل عملية ازدهار المعارف والعلوم، وإحداها هي النسخ، فعملية النسخ كانت تسهل من عملية انتشار الكتب وسهولة وصولها إلى أيدي القراء، وهي كانت تمثل بمثابة دور النشر في وقتنا الحالي، وعلى الرغم من أنَّ هذه المهنة كانت قد تواجه بعض الصعبة لمن يعمل بها، ذلك لأنَّ عملية نسخ الكتب والرسائل لم تكن أبدًا بالعمل السهل، فضلًا عن أنَّ هذه المهنة تتطلب دقة كبيرة ومعرفة جيدة في الموضوع المراد نسخه.
كان لمدينة الكاظمية نصيب في عملية نسخ الكتب والرسائل، ذلك لما لهذه المدينة من أهمية علمية، إذ احتضنها الشيخ المفيد والشريفين الرضيين (قده)، إذ إنَّها كانت في عهود كثيرة منارًا يستقبل طلبة العلم للدرس فيها، فكان يأتيها الطلاب من مغارب الأرض ومشارقها، وهذا بطبيعة الأمر يحتم إلى ظهور مهنة الوراقة فيها، ومن ضمنها النساخ، إذ ظهر عدد من النساخ، وكان لهم الفضل في عملية نسخ الكثير من الكتب والرسائل، ولكن لم نستطيع الوصول إلى جميع هؤلاء النساخ، وإنَّما استطعنا أنْ نحصل على أسماء البعض منهم، ولاسيما ممن كانوا يحملون لقب الكاظمي، وهم: حسن بن شكر بن محمود الكاظمي (كان حيًا في سنة 928هـ)، وجواد بن سعد الكاظمي (كان حيًا في سنة 1025هـ)، وعبد الكاظم بن خير الدين الكاظمي (كان حيًا في سنة 1040هـ)، ومحمد بن عبد الكاظم الكاظمي (كان حيًا في سنة 1049هـ)، ومحمد حسن بن قاسم الكاظمي (كان حيًا في سنة 1088هـ)، وعبد علي بن ناصر الكاظمي (كان حيًا في سنة 1077هـ)، وعبد الرضا بن خليل بن إبراهيم الكاظمي (كان حيًا في سنة 1095هـ)، ومحمد رضا بن أيوب الكاظمي (كان حيًا في سنة 1108هـ)، وحسين بن كاظم الكاظمي (كان حيًا في سنة 1116هـ)، وأحمد بن قاسم الكاظمي (كان حيًا في سنة 1238هـ)، ومهدي بن علي بن حاج محمد عبد الهادي الكاظمي (كان حيًا في سنة 1241هـ)، وفرج الله بن محمد علي الكاظمي (كان حيًا في القرن الثالث عشر الهجري).
ولم تقتصر مهنة النساخ على الرجال، وإنَّما شملت النساء أيضًا، ومن النساء نجد الحاجة فضة البلاغي أبنة الشيخ أحمد البلاغي (ت1284هـ) من الناسخات الماهرات، وهي “عالمة، فاضلة، أديبة، جليلة، تُعدُّ من أساتذة الحوزة العلميّة في النجف الأشرف لمرحلتي المقدمات والسطوح في القرن الثالث عشر، لها تعليقات على بعض الكتب، وكانت حسنة الخط”([1]).
وأنَّ الحاجة فضة البلاغي قد عاشت في مدينة الكاظمية مع زوجها الشيخ حسن البلاغي، وكانا يرتزقان على عملها في نسخ الكتب، وقال في هذا الشأن السيد حسن الصدر([2]): “كانت فاضلة تكتب الكتب بالأجرة، وتعيش هي وزوجها من ذلك. وكانت تستخرج المسودات إلى البياض لشدّة معرفتها، وحسن سوادها، رضوان الله عليها”. وذكر الشيخ جعفر باقر محبوبة عنها: “فاضلة عالمة، حسنة الخط … يوجد بخطها كتاب (كفاية السبزواري) أقول: ورأيت خطها كتاب (كشف الغطاء) للشيخ الكبير (ره)”([3]).
إنَّ مدينة الكاظمية المقدسة كان لها دور ريادي في الحركة العلمية، ولاسيما أنَّ هذه المدينة هي جزء لا يتجزأ من العاصمة الحضارية بغداد، التي كانت عاصمة العلم والمعرفة وما زالت، وعلى أثر ذلك كان لمدينة الكاظمية المقدسة اهتمام واسع في الجانب المعرفي، ولاسيما النسخ، ذلك لأنَّ قديمًا كان النسخ أحد الأدوات المهمة في الحركة العلمية، ومن دونه لا يمكن للحركة العلمية أنْ تستمر.
([1]) أعلام النساء المؤمنات، محمد الحسون وأم علي مشكور، دار الأسرة للطباعة والنشر، طهران – إيران، ط2، 1421هـ، ص693.
([2]) تكملة أمل الآمل، ج1، السيد حسن الصدر، تحقيق: حسين علي محفوظ وعبد الكريم الدباغ وعدنان الدباغ، دار المؤرخ العربي، بيروت – لبنان، ط1، د.ت، ص55.
([3]) ماضي النجف وحاضرها، ج2، دار الأضواء، للطباعة والنشر والتوزيع، د.م، ط2، 1430هـ – 2009م، ص60.


