إنَّ الموقع الجغرافي المميز لمدينة الكاظمية المقدسة المحاذي لنهر دجلة يضفي عليها أهمية كبيرة، إذ يشكل هذا النهر شريانًا حيويًا يمدها بالمياه، مما يسهم في ازدهار بيئتها الطبيعية وانتشار المساحات الخضراء فيها. كما أنْ انتشار البساتين والمزارع على ضفتي النهر يضفي على المدينة طابعًا جماليًا فريدًا، حيث تمتزج الطبيعة الساحرة مع العمق التاريخي والروحي الذي تتميز به الكاظمية.
ويؤدي هذا التنوع البيئي إلى خلق مناخٍ معتدل نسبيًا، حيث يعمل الغطاء النباتي الكثيف على تنقية الهواء وتلطيف الأجواء، مما يجعل من الكاظمية مكانًا ذا جو صافٍ ومنظر خلاب. كما أنْ انعكاس أشجار النخيل والمساحات الخضراء على سطح مياه دجلة يضفي سحرًا خاصًا على المشهد العام، فيجعل المدينة محط أنظار الزوار والباحثين عن لحظات من السكون والجمال الروحي.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال الأثر الثقافي والتاريخي لهذا الموقع، إذ شكل وجود نهر دجلة دورًا محوريًا في تطور المدينة عبر العصور، من خلال دعمه للنشاط الزراعي والتجاري، فضلاً عن ارتباطه بالتراث الحضاري لمدينة الكاظمية. كل هذه العوامل مجتمعة تجعل من الكاظمية المقدسة واحة طبيعية وروحية تجسد مزيجًا فريدًا بين الجمال البيئي والقدسية الدينية.
إنَّ هذا الموقع أدى بطبيعة الحال إلى جذب الرهبان المسيحيين لبناء أديرة فيها، إذ أنشأت أديرة عدة فيها، وبقيت لقرون قائمة، ومن هذه الأديرة (دير درتا، ودير القباب)، ولعله توجد أديرة أخرى غيرهما.
والغاية من وجود الأديرة، هو اختلاء الرهبان فيها للتعبد والتعلم، أي بكونها مكان للاعتكاف الروحي، وهذه الأديرة يجب أنْ تكون خارج المدن، لتبتعد مباهج هذه المدن، فغالبًا من يتم اختيار سفوح الجبال أو الصحراء أو البساتين البعيدة عن المدن لبناء مثل هذه الأديرة.
ومن هذا القبيل، نلاحظ أنَّ موقع مدينة الكاظمية قديمًا كان يساعد الرهبان في بناء الأديرة، فمن ناحية هي محاذية للنهر، ومن ناحية أخرى بعيدة عن المدن الكبيرة مثل المدائن وغيرها. ولو تتبعنا كتاب (دليل خارطة بغداد المفصل، للدكتور مصطفى جواد والدكتور أحمد سوسة)، سنرى أنَّ هذه المنطقة وما جاورها مليئة بالأديرة.
وذكرا د. مصطفى جواد ود. أحمد سوسة في كتابهما: “كان في الشمال من مقبرة باب التبن ديران يقعان على ضفة نهر دجلة مباشرة يسمى أحدهما ((دير دُرْتا)) والآخر ((دير القباب))، وقد جرفهما النهر من جراء تغير مجراه فلم يبق لها أثر”([1]).
وأما الحموي بيقول: “دير درتا: في غربي بغداد … وهو دير يحاذي باب الشماسية راكب على دجلة، حسن العمارة كثير الرهبان، وله هيكل في نهاية العلو”([2]).
ولذلك تعد مدينة الكاظمية المقدسة وموقعها الجغرافية أهمية كبيرة على مر التاريخ، ذلك لكونها محاذية لنهر دجلة، ولو تعمقنا أكثر في تاريخ هذه المدينة، لكشف لنا خباياها، وتاريخها الضارب في القدم، ونقصد هنا، قبل بناء مدينة بغداد ودفن الإمامين الجوادين (ع) في تربتها الطاهرة.


