القرآن المجيد كتاب هداية وارشاد، وفي آياته الكريمة كل ما يحتاجه الإنسان لصلاح دنياه وآخرته، فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة مما ينفع الناس إلا وكان العلاج النافع فيه، ومنه علاجه للأمراض النفسية المتعددة والمتفاقمة مع تمدن العصر وضغوطات الحياة، وفي هذا المقال نذكر (القلق) أو الاضطراب: وهو حالة من الانفعال المؤلم الغامض مع توقع الخطر من أمر مجهول، وتشبه حالة الخوف، إلا انه خوف متواصل ولا يعرف مصدره فإذا كان انفعالاً مؤقتاً وقابلاً للتحمل سمي خوفاً.
وقد اشار القرآن الكريم الى هذه الحالة في آيات متعددة منها قوله تعالى: [مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (سورة البقرة: 17–20). وقال تعالى: [إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً]. (سورة النساء: 142 -143).
فنلحظ في هذه الآيات الكريمة بيان مدى تغلغل القلق والاضطراب في نفوس هؤلاء الأشخاص الذين لا يهتدون الى سبيل الخلاص والنجاة.
أبرز أسبابه: إن المتأمل في القلق الذي يصيب الإنسان يلحظ ان له جذور أدت إليه، والمتدبر فيها يجدها في كل تفاصيلها قد اجتمعت في عنوان واحد وهو (حب الدنيا).
نعم؛ حب الدنيا والتعلق بها وطلب الجاه والمال والسمعة ومن ثم النفاق والخوف من الموت خشية ان يدرك الإنسان من قبل ان يحقق طموحه وامانيه، أنَّ هذا الحبَّ قد فاق حُبَّهم للنعيم المقيم الذي في الآخرة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة النحل: 107]، وإنَّ هذا القياس قياسٌ فاسد، وإنَّ سببه الواضح الجلي هو ضعف الإيمان في أصل النفس؛ لأنَّ أقل نعيمٍ في الآخرة لا يمكن أنْ يُقارَن بأعظم ما في الدنيا من أولها الى آخرها، وإنَّ القرآن الحكيم وصفَ ما في الدنيا من امكانيات بأنه متاعٌ بالنسبة لما في الآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة التوبة: 38].
نعم؛ كيف (يتسنى للإنسان العاقل أن يساوم مساومة الخسران، وكيف يعوض متاعاً غالياً لا يزول بمتاع زائل لا يُعد شيئا؟!)([1]).
وذلك أنَّ متاع الدنيا الخادع مادِّي؛ تلمسه اليد، وتراه العين، وتسمعه الأُذُن، يقابله ضعف إيمان الإنسان وغياب التقوى يجعله يراه جميلاً جمالاً حقيقيًّا فيتمسك به ويلتصق بما فيه، ويبذل الجهد لنَيله، فإنْ نالَه تمسَّك به لا يبرحه حتى الموت، وهنا تبرز آفة القلق من فقدان هذه المتع التي ركن إليها، فتضطرب النفس فلا تهدئ أو تستقر في حياتها مع ان هذه المتع لم يصبها ما يخشاه الإنسان من الزوال، فهو مع وجودها غير هانئ بها، فيستغل الشيطان هذا الحب للدنيا فيجعله يعيش حالة القلق والخوف، قال تعالى: [الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ]. (سورة آل عمران: الآية: 175).
في حين ان الإنسان المؤمن يرى ما في الدنيا من متاع هو متاع مزيَّف زائلٌ، وأنَّ النعيم الحقيقيَّ الدائم هو في الجنة، وبطبيعة الحال ان هذا الشعورُ يتفاوت بحسَب إيمان كل إنسان وما علمه من شؤون دينه؛ حيث يزداد مع ازدياده، وينقص بنقصانه.
إذن حب الدنيا هو الجذر الرئيس لأسباب عديدة مؤدية الى القلق والاضطراب النفسي، قال الإمام جعفر الصادق a: (رأس كل خطيئة حب الدنيا)([2])، كما ويلحق طلب الدنيا وملذاتها اقتراف الذنوب والاستعجال في تحصيلها من غير قنواتها المباحة، فتكون المعاصي سبب آخر من أسباب القلق فبها يبتعد الإنسان عن العيش المطمئن فتكون عيشته في الحياة الدنيا عيشة ضنكة قلقة، قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (سورة طه: 124).
العلاجات: وهذا الجذر وما يتبعه من أسباب تؤدي الى وقوع القلق عند الإنسان وتبعث في النفس الاضطراب، إلا ان لهذه الأسباب علاجات لا يتسع المجال لذكرها في هذه الورقة البحثية، لكننا نذكرها على نحو الإجمال بما يأتي:
أولاً: الاعتصام بالله تعالى في كل الظروف: وذلك ان يكون الإنسان متعلق بالله سبحانه عارفاً بقدرته في التصرف بالأمور وتدبيرها وهو الواضح فيما وصف به نفسه من القوة والقدرة والاقتدار في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (سورة آل عمران: 26-27). نعم إن (المالك الحقيقي للأشياء هو خالقها. وهو الذي يعطي لمن يشاء الملك والسلطان، أو يسلبهما ممن يشاء، فهو الذي يعز، وهو الذي يذل، وهو القادر على كل هذه الأمور)([3]).
ثانياً: اللجوء الى الله سبحانه عند وقوع القلق والاضطراب: فإن ابتلي الإنسان ببلاء فلجأ إلى الله وصدق في ذلك، فإن الله عز وجل سيفرج عنه، والقرآن الكريم حافلة آياته بهذه الوقائع والأمثال الكثيرة منها ما كان من شأن نبي الله يعقوب (ص) إذ ابتلي بفقد أحب أولاده إليه، فلجأ إلى الله عز وجل وقال: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [سورة يوسف:86]، فالقرآن الكريم يأدب الناس بسيرة الأنبياء (ع) وكيف أدبهم الله سبحانه بأدب طلب المدد والمعونة منه عز وجل والتعلق به حق التعلق حتى (تمكن منهم هذا الأدب الإلهي ان يراقبوا مقام ربهم ويراعوا جانب ربوبيته فلا يقصدوا شيئاً إلا الله، ولا يتركوا شيئاً إلا لله، ولا يتعلقوا بسبب إلا وهم متعلقون بربهم قبله ومعه وبعده، فهو غايتهم على كل حال)([4]). فكان الله سبحانه عند حسن ظنه فأحسن مكافأته على النحو الذي ذكرته سورة يوسف.
ثالثاً: أداء الصلاة: معلوم ان من معاني الصلاة هي الصلة بين العبد وربه، وأي راحة نفسية عظيمة يحظى بها الإنسان في هذا اللقاء وهو يلتقي برب الارباب، كيف لا فإذا كان الإنسان يلتقي بوالده فيجد عنده حاجته والعطف الرحيم فكيف إذا كان اللقاء مع الخالق جل في علاه، ولكن السؤال هو أي صلاة تُحقق هذا المُراد وتُذهِب القلق؟! انها الصلاة التي يعبر عن كيفيتها النفسية الإمام محمد الباقر (ع) وهو يصف صلاة الإمام زين العابدين (ع) إذ قال: (كان علي بن الحسين عليه السلام إذا قام في صلاته غشي لونه لون آخر، وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل، كانت أعضاؤه ترتعد من خشية الله وكان يصلي صلاة مودع يرى أن لا يصلي بعدها أبدا)([5]). فلا يخفى ما للعبادات بأنواعها كافة من أثر عظيم في ترميم النفس الإنسانية لما يكتنفها من شعور مكتمل العناصر يبدأ بالمعرفة العقلية، ثم بالانفعال العاطفي والتفاعل الوجداني، ثم بالترجمة السلوكية في الواقع([6])؛ نعم؛ إن الإنسان يقوم بالعبادات على قدر معرفته بالله عز وجل، وهذا يعني على الإنسان ان يطور هذه المعرفة ويرتقي بها بقدر جهده كيما تؤتي ثمارها على نفسه وحياته.
رابعاً: الذكر النابع من القلب: وهذا العلاج وعدنا الله سبحانه به فقال: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[سورة الرعد:28]، وكيفية ذكر الله سبحانه لا تقف عند صيغ محددة فهي مجال رحب لكل إنسان في تعاطيه، إلا ان ما ورد في القرآن الكريم من اذكار لها مقامها المرتكز على عمق كينونتها ومن اشهرها الذكر اليونسي: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ(سورة الأنبياء:87)، وعن الإمام جعفر الصادق (ع) انه كان يقول في قنوته: (لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع، ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، ورب العرش العظيم، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين)([7]) وهذا الدعاء يسمى (كلمات الفرج)، وهناك اذكار أخرى اثبتت فاعليتها في بث روح الاطمئنان والسكينة عند وقوع الهم والكرب واضطراب النفس وقلقها.
خامساً: قراءة القرآن الكريم بالتدبر: فلها أثر كبير وواقعي في راحة النفس وشفائها مما ألمَّ بها من تلف أو غيره من عوامل الاضطراب والقلق ويعيدها الى سيرتها الأولى من الاستقرار والاستقامة والسعادة، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [سورة الإسراء:82]، يقول العلامة محمد حسين الطباطبائي: (فهو بما انه شفاء يزيل عنها أنواع الأمراض والادواء وبما انه رحمة يعيد إليها ما افتقدته من الصحة والاستقامة الأصلية الفطرية فهو بكونه شفاء يطهر المحل من الموانع المضادة للسعادة ويهيئها لقبولها، وبكونه رحمة يلبسه لباس السعادة وينعم عليه بنعمة الاستقامة. فالقرآن شفاء ورحمة للقلوب المريضة كما أنه هدى ورحمة للنفوس غير الامنة من الضلال)([8]).
سادساً: الاجتهاد في الدعاء والتضرع للباري: فالعبد إذا اجتهد في الدعاء بنية خالصة فهو بذلك يكون قد تقرب إلى الله تعالى بسبب عظيم كريم، والله تعالى كريم قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وما فتح باب دعاء إلا وفتح له باب إجابة، قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (سورة غافر: 60)، وقد أكد أئمة أهل البيت (ع) على التزام عبادة الدعاء لما فيه من الاسرار العظيمة والمفتاح الامثل في كشف الهم واستقرار الروح وهدوء القلب وانجلاء للقلق والاضطراب، يقول الإمام جعفر الصادق (ع): (الدعاء يرد القضاء، بعدما أبرم إبراماً، فاكثروا من الدعاء، فانه مفتاح كل رحمة، ونجاح كل حاجة، ولا ينال ما عند الله عز وجل إلا بالدعاء، وإنه ليس باب يكثر قرعه ألا يوشك أن يفتح لصاحبه ..)([9]).
وأخيراً ان التأمل في قول الله تعالى: [بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون] (سورة البقرة: الآية: 112)، وقوله تعالى: [قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً] (سورة الزمر: الآية 53)، نلحظ بوضح تام ان توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة والتعلق به سبحانه والنظر إلى رضاه وتحصيل طاعته وطاعة رسوله (6) وأهل بيته الكرام (ع) هو فقط ما يحصنك من الأمراض النفسية.
ومما لابد من الاشارة إليه ان هناك الكثير من الأفراد ممن كسب المال ونال النفوذ في هذه الدنيا وتعلق بها إلا انهم لم يظفروا بالرضا والسعادة وان بدا للمُشاهد خلاف ذلك من حالهم الظاهري الذي يوحي بالرفاهية وحسن المعيشة، إلا ان الرضا والطمأنينة النفسية أمر لم يتحقق في نفوسهم القلقة، في حين غيرهم ممن يعيشون على الكفاف والعفاف يتمتعون بالرضا النفسي والاستقرار الروحي وذلك ناتج عن صدقهم في علاقتهم بالله سبحانه وهذا هو سر سعادتهم ومكمن طمأنينة نفوسهم.
والحمد لله رب العالمين.
[1] – الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، 6/53.
[2] – الكافي، الكليني، 2/315.
[3] – الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ٢/٤٤٧.
[4] – الميزان في تفسير القرآن، العلامة محمد حسين الطباطبائي، ٦/٢٧٥.
[5] – بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ٨١/٢٥٠.
[6] – للتوسعة ظ: الفرائض العبادية وأثرها في البناء الإنساني، د. محمد كاظم الفتلاوي، ص173.
[7] – بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ٨2/٢06.
[8] – الميزان في تفسير القرآن، ١٣/١٨٤.
[9] – الكافي، الكليني، 2/470

