حين باعوا المبدأ واشتروا الكرسي؛ من سقيفة الأمس إلى مزادات اليوم

حين باعوا المبدأ واشتروا الكرسي؛ من سقيفة الأمس إلى مزادات اليوم
تتكرر الخيانة عبر التاريخ بأشكال جديدة، حين تُباع المبادئ لأجل المال والسلطة. فما تغيّر هو الأدوات والوجوه، أما الطمع والنفاق وسوق الضمائر وشراء الكراسي فما زالت حاضرة في كل عصر...

نحن في الحقيقة لا ينبغي أن نتفاجأ كثيرًا بما يجري اليوم من غدرٍ وانقلابٍ وخيانةٍ للأصدقاء والأقربين، لأن التاريخ البشري، وخصوصًا تاريخ الأمة الإسلامية، لم يكن يومًا خاليًا من هذا الصنف من البشر الذين يبدّلون وجوههم أسرع مما يبدّلون عباءاتهم. المشكلة ليست في وجود الخيانة، بل في أن الناس يتعاملون معها دائمًا وكأنها حادثة طارئة سقطت من السماء البارحة، مع أنها أقدم تجارة مارسها الطامعون بعد عبادة المال والسلطة.

فعندما نقرأ كيف وقف بعض الناس بوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نرى ما جرى بعد وفاته من صراع على الحكم وغصبٍ للحقوق وتآمرٍ على أهل بيته، نتخيّل أحيانًا أن أولئك كانوا مخلوقات مختلفة عن بشر اليوم، بينما الحقيقة الأكثر مرارة أنهم كانوا أناسًا عاشوا مع النبي، وسمعوا صوته، وصلّوا خلفه، وجاهدوا معه، وربما ذرف بعضهم الدموع في حضرته، لكن ساعة الامتحان الحقيقي، حين اقتربت رائحة السلطة والمال والنفوذ، انكشف المعدن الصدئ تحت طلاء الإيمان.

فالإنسان عندما يكون مطاردًا وجائعًا ومهددًا بالسيف، يسهل عليه أن يرفع شعارات العقيدة والمبدأ، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تتحول المبادئ إلى قصور، وأرصدة، وحمايات، ومواكب مدججة، ومكاتب فاخرة، وصفقات، وامتيازات. هناك فقط يظهر الفرق بين من يحمل العقيدة في قلبه، ومن يحملها في جيبه ليستثمرها عند الحاجة ثم يرميها في أول مزاد سياسي.

ولو عاد أولئك الذين تآمروا بالأمس ورأوا ما يجري اليوم، لأصيبوا بالذهول من حجم “التطور” الذي بلغته فنون الخيانة والانقلاب على المبادئ. ففي الماضي كان الرجل يبيع ضميره بكيس دراهم أو ولاية على مدينة بائسة، أما اليوم فقد تحولت الخيانة إلى شركات استثمار عابرة للحدود، وصفقات بمليارات الدولارات، وحسابات مصرفية في الخارج، وولاءات تُشترى بالجملة لا بالمفرد.

في ذلك الزمان كان المنافق يحتاج إلى حصان وسيف وعدد من الأتباع ليصنع فتنة، أما اليوم فيكفيه استوديو تلفزيوني، وجيش إلكتروني، وممول فاسد، وربطة عنق أنيقة، ليخرج على الناس خطيبًا عن الوطنية والشرف والإصلاح والسيادة وكأنه نبيّ هبط لتوّه من السماء.

والمثير للسخرية أن أكثر الناس شتمًا لخونة التاريخ هم أنفسهم الذين يعيدون إنتاجهم يوميًا بإصدارات أحدث وأكثر وقاحة. يلعنون قتلة أهل البيت في المجالس، ثم يصفقون لكل خائن يطعن حلفاءه ورفاقه مقابل منصب أو حقيبة أو صفقة. يبكون على المظلومية التاريخية، لكنهم لا يجدون حرجًا في أكل حقوق شركائهم وأصدقائهم وأقرب الناس إليهم متى ما اقتربت غنيمة أو لاح كرسي.

كأن البشرية لم تتعلم منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام سوى تطوير أدوات الخيانة وتغليفها بعبارات أنيقة. سابقًا كان الخائن يختبئ خجلًا من الفضيحة، أما اليوم فهو يظهر على الشاشات “محللًا سياسيًا” و”خبيرًا استراتيجيًا” وواعظًا أخلاقيًا في الوقت نفسه. يسرقك صباحًا، ثم يكتب مساءً منشورًا طويلًا عن النزاهة والتضحية ومحاربة الفساد.

والأشد وجعًا أن الغدر غالبًا لا يأتي من العدو البعيد، بل من أقرب الناس؛ ممن يعرف نقاط ضعفك، ويأكل معك، ويضحك معك، ويحلف لك بالأيمان المغلظة، ثم يطعنك لحظة اقتراب الغنائم. وهذه ليست حالة استثنائية، بل القاعدة التي كررها التاريخ مرارًا. ولهذا كان وجع أهل البيت عظيمًا، لأن الذين خذلوهم لم يكونوا غرباء، بل كانوا يعرفون الحقيقة جيدًا ثم باعوها في سوق السياسة والنفوذ.

واليوم نعيش النسخة الحديثة من ذلك المشهد القديم مع اختلاف الديكور فقط. نفس الطمع، ونفس النفاق، ونفس الوجوه التي تدور مع الريح حيث دارت المصالح، لكن الفارق أن أموال هذا الزمن أكبر، ومغرياته أوسع، والخيانة لم تعد تصرفات فردية بل أصبحت مؤسسات كاملة، لها إعلامها، ومحللوها، وكتّابها، ومطبلوها، ووعاظها أيضًا.

حتى إن بعض ساسة هذا العصر لو عاشوا في القرون الأولى، لافتتحوا “هيئة استثمار للخلافة”، وعقدوا مؤتمرًا صحفيًا يبررون فيه اغتصاب الحقوق بأنه “ضرورة وطنية لحماية الاستقرار”، ثم خرج أحدهم بابتسامته الباردة ليقول للناس: “المرحلة كانت حساسة جدًا”!

والله إن الإنسان ليحزن وهو يرى المأساة تتكرر بالأسماء نفسها والوجوه نفسها والعقول نفسها، لكنه يضحك بمرارة من سذاجة من يظنون أن الزمن تغيّر بينما النفوس بقيت كما هي؛ فقط الملابس أصبحت أفخم، والخطب أكثر تنميقًا، والخناجر تُغرس اليوم بابتسامة وكاميرا عالية الدقة.

ولهذا فإن العاقل لا يُصدم كثيرًا بما يحدث اليوم، لأن التاريخ لم يكن يومًا قصة للبكاء فقط، بل مرآة تكشف حقيقة البشر في كل عصر. ومن لم يفهم لماذا غُدر بأهل البيت رغم قرب الناس منهم، فلن يفهم أبدًا لماذا يغدر الناس اليوم بأقرب أصدقائهم ورفاقهم وشركائهم بمجرد أن تلوح لهم رائحة المال والسلطة.

لقد تغيّرت الأسماء، وتبدلت الشعارات، لكن السوق نفسه ما زال قائمًا: سوق بيع الضمائر وشراء الكراسي.

والله المستعان على زمنٍ أصبح فيه الوفاء عملة نادرة، بينما الخيانة تُصرف في كل الأسواق بلا رقيب ولا حياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *