طغيان التفاهة

طغيان التفاهة
ينتقد النص طغيان التفاهة وسلطة الخوارزميات التي تصنع وعياً سطحياً منشغلاً بالصورة والضجيج. ويدعو إلى استعادة التفكير العميق، وربط الأحداث بجذورها التاريخية، والعودة إلى مسؤولية الوعي بدل الاستهلاك والاستعراض...

يخضع الفضاء العام اليوم لدكتاتورية غير معلنة؛ دكتاتورية “الخوارزمية” التي لا تحتفي بالعمق، بل بالمثير والسريع والعابر. عندما تثير عبارة ساذجة حول التاريخ السياسي، تطلقها نجمة شاشة أو مؤثرة رقمية، عاصفةً من الجدل، فإننا لا نشهد نقاشاً فكرياً، بل نتابع “طقساً استهلاكياً” مكتمل الأركان. إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في ضحالة الطرح، بل في تلك الهشاشة البنيوية لمجتمع يستفزه الهامشي ويشغله عن المصيري. في ذات التوقيت الذي كانت فيه النخب تعيد قراءة التحركات الاستراتيجية الإقليمية وعودة جنرالات كبار مثل ديفيد بترايوس لصناعة المشهد، كان الوعي الجمعي أسيراً لـ “صدمة بصرية” وصوت فارغ؛ مما يكشف عن مفارقة مرعبة: نحن أمة تنشغل بـ “الاستعراض” وتغيب عن “المصير”.

هذه الحالة من الغيبوبة الجماعية ليست طارئة، بل هي الثمرة المرة لما نبه إليه غي ديبور  (فيلسوف فرنسي) في “مجتمع الاستعراض“، حيث يصبح الوجود مشروطاً بالظهور لا بالجوهر، ويتوجها آلان دونو  ( فيلسوف كندي )في “نظام التفاهة” كآلية لإقصاء العقل المتسائل لصالح العقل المستهلك. لقد تنبأ ميلان كونديرا ( روائي تشيكي فرنسي ) بهذا الأفول عندما صاغ مفهوم “الإيميجولوجيا”، مؤكداً أن متعة الإغراء البصري السهل ستنتصر على عناء التفكير الرصين والنصوص الفلسفية المعقدة. والعلة هنا تكمن في تحول الإعلام والمؤثرين إلى “سلع معروضة في سوق الانتباه”، بدلاً من أن يكونوا نماذج لحماية الحقيقة، مما يضعنا أمام تشويه متعمد للوعي؛ إذ يُقدَّم الخبر للمشاهد كـ “نتيجة” معزولة تماماً عن “خلفيتها التاريخية”. إن نقل النتائج دون إضاءة أسبابها ليس مجرد تبسيط، بل هو تزييف ممنهج يعيد صياغة السرديات على مقاس الجهل.

يتجلى هذا التزييف المعاصر في أبشع صوره عندما تُعزل الأحداث المصيرية عن جذورها، ليصبح المشهد العربي مجرد ردود أفعال عاطفية تعميه عن رؤية الحقيقة بكليتها. المفارقة المخجلة هنا، هي أننا نرى ساسة ومفكرين غربيين يملكون جرأة العودة إلى التاريخ لتفكيك الكوارث الراهنة، أفضل من ساسة وتنويريين عرب؛ فتجد رئيس وزراء فرنسي سابق مثل دومينيك دوفيلبان، أو مؤرخين مثل إيلان بابيه وجون بيير فيليو، واللغوي نعوم تشومسكي، يعيدون الأزمات والانفجارات الكبرى في المنطقة إلى أسبابها العميقة من تمييز عنصري وتصفية عرقية ممتدة لعقود، في حين يغرق الفضاء العربي في ملاحقة زوايا لقطة الكاميرا المتحيزة، والوقوع في فخ العاطفة المحضة التي تعمي عن السؤال الجوهري الأهم: “لماذا وصلنا إلى هنا؟”.

لكن خطورة هذا الضجيج الرقمي والإعلامي تكمن في كونه يصنع واقعاً افتراضياً كاذباً من خلال تصدير “الحمقى الذين يظنون أنهم يعرفون كل شيء”. فبينما يشتعل السطح بالمعارك الصفرية والتعليقات الجوفاء، يقبع “المجتمع الحقيقي” في مكان آخر تماماً. إنه هناك.. في الهوامش المنسية، في حكايات بائعات الرصيف ، وراء جدران البيوت المتعبة، في لغة الشارع العفوية، وحتى في الصمت الجنائزي للمقابر ونزاعات العشائر التي تبحث عن عدالة غائبة. هذا “القاع غير المفكر فيه” هو الخزان الحقيقي لوعي الأمة ووجعها، وهو القادر على كشف زيف الطبقة الزجاجية اللامعة التي تتصدرها الأجساد العارية من الفكر. إن الرهان الثقافي والسياسي اليوم لم يعد في ملاحقة هذا السطح الصاخب، بل في اختراقه لإنقاذ الوعي من سلطة “المظهر” وإعادته إلى مربع “التاريخ والمسؤولية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *