المبادئ الأخلاقية الأساسية في بناء المجتمع المسلم مبدأ المساواة أنموذجاً

المبادئ الأخلاقية الأساسية في بناء المجتمع المسلم مبدأ المساواة أنموذجاً
فنلحظ إن الآية تؤكد حقيقة عظمى لو استقرت في النفوس لزالت كل الحزازات والعصبيات القبلية والعنصريات البغيضة والتمايز الطبقي.....

من المبادئ الكبرى التي جاء بها دين الإسلام وقررها القرآن الكريم وأكدت عليها سنة المعصوم هو مبدأ المساواة، وهي مبدأ أصيل من مبادئ هذا الدين العظيم، مبدأ منبثق من وحدة الأصل والمنشأ، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ([1]).

وأول ما يمكن أن نلحظه من أول مطلع هذه السورة هو قوله تعالى: (يا أيها الناس) فهذا الخطاب (موجه إلى كافة أفراد البشر، لأن محتويات هذه السورة – هي في الحقيقة – نفس الأمور التي يحتاجها إليها كل أفراد البشر في حياتهم)([2]).

ثم إن الآية الكريمة محل الشاهد تدعوا إلى فضيلة التقوى باعتبارها أساساً لأي برنامج إصلاحي للمجتمع، ومنه أداء الحقوق للآخرين والتقسيم العادل للثروة، والاهتمام بالأيتام ورعاية الحقوق العائلية، وغيره من الممارسات الاجتماعية، وهذه كلها من الأمور التي لا تتحقق إلا بوجود فضيلة التقوى، ولهذا السبب الرئيس افتتحت هذه السورة بها، إذ ان الممارسات الاجتماعية جميعها المذكورة في السورة المباركة تحتويها، فكانت الدعوة إلى الالتزام بالتقوى: (اتقوا ربكم).

وللتعريف بالله عز وجل الذي يراقب كل أعمال الإنسان وتصرفاته أُشير في الآية الكريمة إلى واحدة من صفاته التي تُعد أساساً للوحدة الاجتماعية في عالم البشر: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.. ([3]).

وعلى هذا الأساس العظيم (لا مبرر للتمييز العنصري، واللغوي، والمحلي، والعشائري وما شابه ذلك مما يسبب في عالمنا الراهن آلافاً من المشاكل في المجتمعات، ولا مجال لهذه الأمور وما يترتب عليها من الأمجاد الكاذبة والتفوق الموهوم في المجتمع الإسلامي، لان كافة البشر على اختلاف ألوانهم، ولغاتهم، وأقطارهم يرجعون إلى أب واحد وأم واحده)([4]).

وبهذا بنا دين الإسلام أسس العلاقات الإنسانية بين البشر مجرداً بذلك كل الامتيازات الدخيلة على جوهر الإنسان الفرد إلا ما كسب من التقوى وحسب.

وبما إن نظر الإسلام إلى الناس بمختلف أجناسهم وشعوبهم ولغاتهم بنظرة الوحدة الإنسانية المنبثقة من وحدة الأصل والمنشأ، فما خلق الله تعالى هذه الألوان والأجناس لكي يتدابروا ويتقاطعوا بل لكي يتعارفوا، قال تعالى: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ([5])

فنلحظ إن الآية تؤكد حقيقة عظمى لو استقرت في النفوس لزالت كل الحزازات والعصبيات القبلية والعنصريات البغيضة والتمايز الطبقي.

فان مزية الإسلام الجوهرية في تصميم علاقة الإنسان بالإنسان هي الدعوة إلى المساواة ،فهذا الدين يقوم على التوحيد والوحدة فهما صنوان لا يفترقان فأبناء هذه ألامه المسلمون كما قال النبي: (تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم)([6]).

وكان من توجيهات النبي الخاتم  المستمرة في هذا الشأن لتصحيح مفاهيم الصحابة من موروثات الجاهلية وتصحيح الموازين التي يقيم بها الناس بعضهم بعضا، كان يقول 6: (الناس سواسية كأسنان المشط)([7]).

وأكد (صلى الله عليه واله) في خطبته بحجة البلاغ على مبدأ المساواة فقال: (أما بعد أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، ألا وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلّغت؟ قالوا: بّلغ رسول الله صلى الله عليه واله، قال صلى الله عليه واله: فليبلغ الشاهد الغائب، فربَّ مبلغ أوعى من سامع)([8]).

كذلك أعلن الإمام علي (عليه السلام) منذ اليوم الأول لخلافته الظاهرية، التزامه بنهج المساواة بين أبناء الأمة، ومواطني الدولة الإسلامية، وأكد على ذلك بسياساته العملية، ومواقفه وتصريحاته العديدة. منها كتابه لمالك الأشتر، حينما ولاه مصر، ذات التنوع الديني، لبقاء قسم من أهلها على المسيحية، ومن فقرات ذلك الكتاب قوله (عليه السلام): (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً، تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)([9]).

ويرى الدكتور طه حسين: (أن الإسلام إنما جاء قبل كل شيء بقضيتين اثنتين: أولاهما التوحيد، وثانيتهما المساواة بين الناس. وكان أغيظ ما أغاظ قريشاً من النبي ودعوته، أنه كان يدعوها إلى هذه المساواة، ولم يكن يفرّق بين السيد والمسود، ولا بين الحر والعبد، ولا بين القوي والضعيف، ولا بين الغني والفقير، وإنما كان يدعو إلى أن يكون الناس جميعاً سواء كأسنان المشط، لا يمتاز بعضهم عن بعض، ولا يستعلي بعضهم على بعض)([10]).

وهكذا استطاع دين الإسلام ان يثبت وجوده في النفوس والواقع بما قررته آيات الكتاب العزيز وسيرة الحبيب محمّد وسنة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فكان أن رسمت تلك التوجيهات للإنسانية معالم المدنية الفاضلة وتقضي على النعرات والعصبيات.

فحقق الإسلام معنى المساواة على حقيقتها حين جلس بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي جنباً إلى جنب مع عتاة قريش والمستكبرين من العرب، ولا يمكن ان يتحقق ذلك إلا برحاب الإسلام.

وهكذا فعل أمير المؤمنين علي في سيرته الحكومية ومبدأه الإنساني بعمق علاقة الإنسان بالإنسان مراعياً مبدأ المساواة، ولذا لما جاء عقيل ابن أبي طالب يريد الزيادة من بيت المال، منعه وأحمى له حديدة وأدناها من جسمه وقال له: ( ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه وتجّرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه، أتئن من الأذى ولا أئن من لظى)([11]). فتأمل ايها القارئ الحبيب في نهج الإسلام القويم وسيرة المعصوم الواضحة في التأكيد على مبدأ المساواة وإعماله في شؤون حياتنا كافة، ولا فرق في ذلك بين الناس كافة من غير محاباة ولا بغض.

([1]) سورة النساء، الآية: 1.

([2]) ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في كتاب الله المنزل، 3/55-56.

([3]) ظ: سورة النساء، الآية: 1، سورة الأعراف، الآية: 189، سورة الزمر، الآية: 6.

([4]) ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في كتاب الله المنزل، 3/55-56.

([5]) سورة الحجرات، الآية: 12.

([6]) الكليني، الكافي، 1/403.

([7]) المجلسي، بحار الأنوار، ٧٥/٢٥١.

([8]) المجلسي، بحار الأنوار، 37/130.

([9]) نهج البلاغة – خطب الإمام علي (ع)، ٣/٨٤.

([10]) الفتنة الكبرى، 2/110.

([11]) نهج البلاغة – خطب الإمام علي (ع)، ٢/٢١٧.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *